أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ وَذَلِكَ لِطُولِ عُمْرِهِ وَلِطَلَبِ النَّاسِ عُلُوَّ السَّنَدِ كَذَا قَالَ وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الثِّقَاتِ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ انْتَهَى فَانْظُرْ كَمْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ وَسَنُحَرِّرُ هَذَا الْمَوْضِعَ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
أَيْ حُكْمِ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعْرُ الْإِنْسَانِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ الطَّهَارَةُ لِأَنَّ الْمُغْتَسِلَ قَدْ يَقَعُ فِي مَاءِ غُسْلِهِ مِنْ شَعْرِهِ فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَنَّبَ ذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ بَلْ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَذَلِكَ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى تَنَاثُرِ بَعْضِهِ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْقَوْلَ بِتَنْجِيسِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى طَهَارَتِهِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكرم لَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره ونقضه بن الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ قَالُوا وَيَلْزَمُ الْقَائِلُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَحْتَجَّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا مَكَان أَنْ يُقَالَ لَهُ مَنِيُّهُ طَاهِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ إِلَّا فِيمَا خُصَّ بِدَلِيلٍ وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى طَهَارَةِ فَضَلَاتِهِ وَعَدَّ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ فِي خَصَائِصِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَ أَئِمَّتُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي شَعْرِ الْآدَمِيِّ أَمَّا شَعْرُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ الْمَأْكُولِ الْمُذَكَّى فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ هَلْ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَوْ لَا فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى خِلَافه وَاسْتدلَّ بن الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالِانْفِصَالٍ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى طَهَارَةِ مَا يُجَزُّ مِنَ الشَّاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ وَعَلَى نَجَاسَةِ مَا يُقْطَعُ مِنْ أَعْضَائِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَائِهَا وَعَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حَالَتَيِ الْمَوْتِ وَالِانْفِصَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا مَا يُؤْكَلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ اه وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى رِيشِ الْمَيْتَةِ وَعَظْمِهَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ وَكَانَ عَطَاءٌ هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى عَطاء وَهُوَ بن أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالِانْتِفَاعِ بِشُعُورِ النَّاسِ الَّتِي تُحْلَقُ بِمِنًى قَوْلُهُ وَسُؤْرِ الْكِلَابِ هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْمَاءِ وَالتَّقْدِيرُ وَبَابُ سُؤْرِ الْكِلَابِ أَيْ مَا حُكْمُهُ وَالسُّؤْرُ الْبَقِيَّةُ وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَكْلُهَا وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ قَوْلُهُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ جَمَعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ