يعقل؛ وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدًا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد هم به وكان الله بالغًا فيه أمره. فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من يني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل امتناع. فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره؛ فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ = 15} [سورة القصص 28/ 15] ثم قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ = 16} [سورة القصص 28/ 16] {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ = 18} [سورة القصص 28/ 18] فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلًا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله ومن شهد عليه لأنه لا يستقيم أن يقضي بغير بينة ولا ثبت فطلبوا له ذلك؛ فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتًا إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيًا، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى فغضب موسى فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني قال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} فنظر الإسرائيلي موسى بعد ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده وإنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعوني فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ} [سورة القصص 28/ 19] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا؛ فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فأرسل فرعون الذباحين فسلك موسى الطريق الأعظم فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم. وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر وذلك من الفتون يا ابن جبير, فخرج موسى متوجهًا نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له علم إلا حسن ظنه بربه تعالى، فإنه قال {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ = 22 وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [سورة القصص 28/ 22 -