23] يعني بذلك حابستين عنهما فقال لهما ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس فقالتا ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرًا حتى كان أول الرعاء بغنمها إلى أبيهما، وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ = 24} [سورة القصص 28/ 24] والحاصل واستنكر أبوهما سرعة صدورهما حفلًا بطانًا فقال إن لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته فلما كلمه قال {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة القصص 28/ 25] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك ما قوته وما أمانته، قالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلًا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي امشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا الأمر إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت فقال له: هل لك {أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ = 27} [سورة القصص 28/ 27] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرًا، قال سعيد فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا وأنا يومئذ لا أدري. فلقيت ابن عباس رضي الله عنهما فذكرت ذلك له فقال: أما علمت أن ثمانيًا كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم لينقص منها شيئًا ويعلم أن الله كان قاضيًا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضىعشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر الناس والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن فشكا إلى الله سبحانه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقده لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له رداء ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينًا لا يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إنا رسولا ربك. قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن قال: فما تريدان وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل فأبى عليه وقال ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء سوء يعني برص ثم ردها فعادت