الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ = 93 [سورة البقرة 2/ 93]
وانظر كيف لم يأخذوا الميثاق الاّ تحت التهديد بالعذاب أن يكون الجبل العظيم من فوقهم، ومع ذلك سمعوا وعصوا وأشركوا بالعجل حتى تشربته قلوبهم، كما قال الطبري: وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة، واعملوا بما سمعتم، وأطيعوا الله، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك. [1]
مواثيقهم الكثيرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا خلاف بين أي فريق منهم فمرة قريضة ومرة بنو النضير نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا، فعاهدهم عليه السلام ثانية فنقضوا يوم الخندق. وقد وصفهم الله (بشر الدواب) وأنهم كالرجل الواحد سلفهم وخلفهم كما قال الطبري:"يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم، لا يعدون أن يكونوا على منهاج أولهم وطريق سلفهم. وهكذا كما سيأتي في الآثار الواردة عنهم في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم."
مواثيق أخرى ذكرها الله لبعض أفرادهم كاالنقباء الذين أرسلهم موسى ليتجسسوا على العماليق وقد بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم؛ فساروا ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوه عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم؛ فأطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم؛ ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ = 24} [سورة المائدة 5/ 24] . [2] فلم يحافظوا على ما تواثقوا عليه
ونقول أخيراّ أن اليهود قد وعدوا وعدًا حسنًا مشروطًا لو أخذوا به لجاءهم موعود الله لهم وهو قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [سورة البقرة 2/ 40]
ويستفاد من ذلك ما نبه اليه الرازي عند قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ = 12} [سورة المائدة 5/ 12] قال:"اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها:"
(1) تفسير الطبري 1/ 466
(2) كما في تفسير القرطبي 6/ 112 بتصرف يسير