وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت )) [1]
ومثلهم: أبو ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعون فإن الله قد جاءكم بالذي تنتظرون فاتبعوه ولا تخالفوه، فانطلق أخوه حيي بن أخطب وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بني النضير فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه ثم رجع إلى قومه وكان فيهم مطاعًا فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوًا أبدًا، فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعده لا تهلك، قال: لا والله لا أطيعك أبدًا، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه. )) [2]
وهذه العداوة منبعها البغض للإسلام ورسوله، والحسد للمسلمين، فقد منعهم هذا الحسد من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباع دين الإسلام، محاولين أيضًا رد المسلمين عن الدخول فيه، يقول تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [سورة البقرة 2/ 109]
قال ابن كثير رحمه الله:"كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدًا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} ... الآية [3] ، وقد كانت مثل تلك المقدمات سببًا في إشعال نار العداوة بين المسلمين واليهود بعد ذلك، مما كان له الأثر المباشر في تحديد طبيعة العلاقة التي ظلت تحكم موقف اليهود من الإسلام والمسلمين في ذلك الوقت، وهي العلاقة التي تميزت بالعداء منذ بدايتها، يتضح هذا في رد حيي بن أخطب، حينما سئل عما في نفسه تجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (عداوته والله ما بقيت) . ولم تقتصر عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وللإسلام فقط، بل تعدى"
(1) ابن هشام، 1/ 519. البداية والنهاية لابن كثير ج:3 ص:212
(2) البداية والنهاية لابن كثير ج:3 ص:212
(3) ابن كثير، 1/ 153.