وهكذا كان تفضيل الله لهم لأنهم آمنوا حينًا ببعض الأنبياء، وعرفوا نور التوحيد في الوقت الذي كانت فيه معظم الشعوب مُعرضة عن عبادة الله، فلم يكن اختيار الله لهم بسبب العنصر أو العرق أو النوع أو اللون أو غير ذلك من أباطيلهم، وإنما كان تكليفًا لبني إسرائيل، واختيارًا وابتلاءً أيشكرون أم يكفرون، ولهذا قرن القرآن الكريم بين آيات الاختيار والاختبار معًا فقال: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ = 32 وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ = 33} [سورة الدخان 44/ 32 - 33] والبلاء هو الاختبار والله قد يختبر عباده بالنعم، كما يختبرهم بالنقم، ولكن اليهود سقطوا في امتحانهم، فلم يشكروا نعمة اختيار الله لهم، وإنما انحرفوا عن منهج الله، وحرفوا كتبه، وكذبوا رسله، وهنا غضب الله عليهم ولعنهم وعدد مساوئهم وكفرهم، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ = 78 كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ = 79} [سورة المائدة 5/ 78 - 79] كما يناقشهم القرآن في دعواهم مناقشة منطقية فيقول: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ = 6 وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ = 7} [سورة الجمعة 62/ 6 - 7] فاليهود يدّعون أن الله قد أفردهم بولايته وحبه واختياره، ولكن القرآن يصف كلامهم بأنه مجرد زعم باطل، ومع ذلك يطلب منهم أن يتمنوا الموت لكي يسارعوا إلى لقاء الله الذي يحبهم إن كانوا صادقين، بل يعقب في صراحة ووضوح بأن واحدًا منهم لن يتمنى الموت لأنهم يعلمون أنهم كاذبون في دعواهم. [1]
إذن يتضح من ذلك أن مسألة التفضيل حقيقة - ولكن ليس على إطلاقها- إنما لها شروطها التي لم يلتزم بها بنو إسرائيل فمن الشروط: الإيمان بالله -تبارك وتعالى-، فمن آمن بالله والتزم سواءٌ من بني إسرائيل أم من غيرهم فله الفضل على غيره، فأساس التفاضل إنما هو عبادة الله -تعالى-، فأكرم الناس أتقاهم كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم، يقول -تبارك وتعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سورة الحجرات 49/ 13]
(1) انظر: العقيدة اليهودية، وخطرها على الإنسانية، 355 - 356.