وتقدم معنا مرارًا أن كل هذه المسائل التي يذكرها المصنف عليه رحمة الله دافع ضلال من ضل فيها هو ما انقدح في أذهانه من التشبيه, فينقدح في ذهنهم تشبيه ومعاني متناقضة متضادة أو معاني سيئة فيريدون نفي الله عز وجل عنها, ولهذا يتأولون كثيرًا من الصفات هروبًا من بعض المعاني التي تنقدح في أذهانهم ولا يصرحون بها, ولهذا لما خالفهم أهل السنة وأهل الحديث في إثبات صفات الله عز وجل أخذوا يسمونهم بالمجسمة أو الحشوية وغير ذلك؛ وذلك أنهم يثبتون لله عز وجل يدًا, ويثبتون لله عز وجل قدمًا وإصبعًا وعينًا وغير ذلك, فينقدح في ذهنهم شيء من اللوازم, فقالوا: يلزم من ذلك أن له جسدًا وجسمًا وغير ذلك, فنقول: إن مثل هذا مما هو مسكوت عنه لا يخوض فيه المؤمن, فيثبت لله عز وجل ما أثبته سبحانه وتعالى لنفسه, ولا يخوض فيما زاد عن ذلك, وهم إنما ينفون الجسم ويفرون منه لأنهم يقولون: إننا إذا أثبتنا الجسم لله سبحانه وتعالى أثبتنا له الجهة, وإذا أثبتنا له الجهة أثبتنا أنه محدود بحد معين, فيحده من جهة كذا كذا ويحده من جهة كذا كذا, وهذه المعاني هي لوازم تنقدح في ذهن الإنسان وهو ليس بحاجة إليها؛ باعتبار أنه مما هو مسكوت عنها ولا يخاطب الإنسان بما لا يعلم, فخطابه وحسابه وعقابه على ما علم من أمر الله عز وجل أن يؤمن به وأن يقره كما جاء, وما زاد عن ذلك فهو موكول إلى ربه سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا في قولهم: إن الاستواء على العرش ينقدح فيه مسألة القعود والجلوس ونحو ذلك, وكذلك أيضًا في الاستواء أي: أن الإنسان إذا استوى على شيء أو جلس عليه فإنه يلزم من ذلك حاجته إليه, وهذا مما لا حاجة إليه باعتبار أنه انقدح في ذهن الإنسان معنى من المعاني الباطنة فجعل لها لوازم, وهذه اللوازم باطلة وأصلها باطل, فصار الإنسان إلى عقيدة باطلة بعد ذلك.