وهذه المسألة هي مسألة القدر وحكمة الله عز وجل ودقائق الغيب هذه من المعاني التي يجب على الإنسان أن يسلم بها, وبحث كثير من دقائقها المسكوت عنها في الشريعة هو الواجب, ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله: هذه المسألة مضلة الأفهام ومزلة الأقدام، ويقول عليه رحمة الله: ما من أحد من الناس إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة, وهي مسألة القدر. وقبل ذلك أيضًا أبو حنيفة عليه رحمة الله يقول: هذه مسألة مقفلة، وضاع مفتاحها, يعني: البحث في هذا يحتاج إلى علم الغيب, وهي قدره, والبحث عن مثل هذه الأمور المغيبة هو خارج إدراك الإنسان, ونظر الإنسان فيها يزيده تحيرًا؛ كشمس الظهيرة إذا نظر الإنسان كلما ازداد نظره ازداد تحيرًا؛ لماذا؟ لأن آلة إدراكهم العقلية وحاستهم العقلية كحاستهم البصرية إذا نظر لشمس الظهيرة زادته ألمًا وتحيرًا, وكذلك إذا نظر عقله إلى شمس الحقيقة زاد تحيرًا وعجزًا, وهذا لضعفه. فواجبه في ذلك أن يسلم الأمر لله سبحانه وتعالى, والذي يؤمن أن الله عز وجل قدر المقادير على خلقه سبحانه وتعالى خيرًا وشرًا, ولكن الله جل وعلا لا يقدر لعباده إلا الخير, وجعل لهم مشيئة، وهداهم الله عز وجل السبيل, منهم من يريد الخير، ومنهم من يريد الشر. ولهذا نقول: إن الإيمان بالقدر, وأن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق, وأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما كان, ويعلم ما يكون, ويعلم ما سيكون, ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, حتى ما يسمى بعلم المستحيل, لو قدر الله عز وجل وجوده, ولهذا نقول فيما تكلم عليها المتكلمون بمسألة السببية أو قانون الحتمية ونحو ذلك, وإيغال المعتزلة في هذا الباب, وخلاف المعتزلة مع الأشاعرة في هذه المسألة وفي مسألة الكسب وخلافهم مع أهل السنة لعله يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.