ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفحم أهل الشرك بمكة بإغلاق منافذ دعوى الكذب عليه، فكان يدعو إلى الصدق ويطبقه، ويدعو إلى أداء الأمانة ويطبقه، وإلى إطعام الطعام ويطبقه، فلا يدعو إلى العقيدة المجردة بالدعوة إليها، وإن كانت الدعوة إليها هي أصل الرسالة، لكن ينبغي ألا يخلي دعوته أيضًا من تلك الجوانب، حتى لا يوجد عليه مدخل باتهام النفس واتهام الديانة أو المكر والخديعة بالنفس.
قال المصنف رحمه الله: [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، واتقاء سوء عاقبة الطمع، ويتوافون بالحق والصبر] .الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الخيرية لهذه الأمة؛ لأنه لا يمكن أن تقوم الأمة إلا بالأمر بالمعروف، التوحيد لا يقوم إلا بالأمر به، الصلاة لا تقوم إلا بالأمر بها، الشرك لا يدفع إلا بالنهي عنه، وترك الصلاة لا يدفع إلا بالنهي عنه، وهكذا، كل ما علا العمل لا يمكن أن يستقر إلا بالأمر به والنهي عن ضده، ولهذا يقول الله جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110] ، وقول الله عز وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] .ولهذا نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أصل الدين، لماذا؟ لأن المعروف إذا أتاك لا بد أن يأتيك بواسطة الأمر، الوحي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر لبقي الأمر لازمًا عليه، ولكنه حينما يدعو الناس إلى الخير كان آمرًا بالمعروف، وينهاهم عن ضده، ينهاهم عن المنكر. ونقول: إن أبواب الخير مراتب، كذلك أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب متعددة.