ومما لا يخفى أن ذلك الزمن قد ظهرت فيه أقوال أهل البدع، وتشعبت وتنوعت، وكثر فيه أدعياء الحق, والمتسترين بالحجج من كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, والسبب الأصلي في ذلك: أن في بعض القلوب زيغًا, ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] , أي: يسلكون الطريق في معرفة كلام الله عز وجل بالتشبث بالمتشابه، وترك المحكم من كلام الله عز وجل ليقرروا مسائل لم تكن مقررة, أو يخالفوا في ذلك الأصول المحكمة اتباعًا للأهواء, فيطوون المحكم وينشرون المتشابه.
وربما أيضًا السبب في ذلك هو الضعف والقصور العلمي, ويظهر هذا لدى العجم, ونحن إذا أردنا أن ننظر في البدع التي ظهرت في الإسلام نجد أن جلها وراءها عجم, إما أن يكونوا بحسن قصد، أو بسوء قصد, ومرد ذلك هو إما إلى الجهل، وإما إلى إرادة الفتنة، والتأويل لكلام الله سبحانه وتعالى. ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنزل الله عز وجل عليه الوحي في معاقل الإيمان والوحي؛ وهي مكة والمدينة، وشيء فيما بينها، وقليل فيما خرج عن ذلك, وأنه ينبغي للإنسان أن يستكثر مما كان عليه العرب الفصحاء من خير القرون, من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، وكذلك أيضًا من التابعين, وأما مجرد الإمامة في باب من الأبواب ونحو ذلك فهذا لا يعني معرفة للحق.