لأن الله سبحانه وتعالى ما خاطب عباده بحكم من الأحكام، ثم أمرهم أن يقلدوا فيه يمنة ويسرة ليستخرجوا شيئًا بخلاف ظاهره؛ لأن هذا يقتضي عدم إرادة الظاهر, وفي هذا نوع تلبيس يجل عنه الوحي, ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يأخذ بالظاهر, فالناس في حال استقامة أمرهم في ملوكهم ووجهائهم إذا أرادوا أن يأمروهم بأمر أمروهم بأمر ظاهر, لا يحتاج إلى إنسان يبحث عن أسرار هذه الألفاظ, والمراسيم التي يصدرها الملوك والحكام, والبحث عن دقائقها وبواطنها ونحو ذلك؛ لماذا؟ لأن هذا الأمر لا يتعلق به، وإنما يتعلق بأمر العامة, الذي إذا قرئوه بعبارة فهموا مرادهم, هذا في أمر ضبط الدنيا فكيف بضبط أمر الدين؟ فنقول: إن كلام الله عز وجل هو أمر ظاهر, يأخذ به الإنسان, وأما ما يتعلق بالبحث عن الأسرار ودقائق والألفاظ ونحو ذلك, التي لا تظهر إلا للخُلَّص؛ نقول: هذه لا تتعلق بأمر العامة ولا بهدايتهم, وإنما هي علل ودقائق وقرائن تتعلق بأمور الأفراد, تزيدهم إيمانًا إن أصابوا، وتزيدهم حيرة إن أخطأوا.
قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة حدثنا جدي الإمام أحمد بن نصر، حدثنا أبو يعقوب الحسن، حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء, قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلمونها عباد الله) ] .والمراد بالغربة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا) , هي ليست غربة الحق، وإنما غربة الحامل, باعتبار أن الحق محفوظ, وأن دين الله عز وجل كامل, وكتابه سبحانه وتعالى باقٍ, كما أنزله الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام يبقى على هذا الكمال والتمام إلى قيام الساعة, من الله عز وجل بدأ وإليه يعود.