وهذا أمر ملموس أن الإنسان يأتيه الحمية للدين، إذا سمع بدعة، ولكنه إذا قرب من صاحبها لان وهان معهم، لماذا؟ لأن اللين يضعف القلب، والإحسان يضعف النفس وينسبها، فحينئذٍ يغطي تلك المساوئ على حساب الحق، فكأنه قتل نفسه، ولهذا يكون الإنسان متجردًا إذا أبعد، ومنصفًا إذا فارق، فارق الشيء نظر إليه عن بعد وأنصفه، فلا يقدم حظوظ النفس، فإذا أتيت إلى مبتدع وأكرمك وأحسن إليك، وأعطاك ووهبك، وابتسم في وجهك، ولان معك ونحو ذلك حينئذٍ تنظر إلى بدعته بخلاف من كان بعيدًا، ولهذا كلما كان الإنسان بعيدًا كان أفضل في تقييم البدعة والرد عليها وتقييمها.
قال المصنف رحمه الله: [وعلامات البدع على أهلها ظاهرة بادية، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم، وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية، ومشبهة، اعتقادًا منهم في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتاج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية عن الخير العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة، أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم، قال عز وجل: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18] .سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت جعفر بن أحمد بن مناف الواسطي يقول: أحمد بن سنان القطاف يقول: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، فإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه].