والإيمان بقدر الله سبحانه وتعالى هو من الأمور الواجبة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها, ولهذا نقول: إن من لم يؤمن بالقدر لم يكن مؤمنًا بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل سبق علمه عمل الخلق، وقدر سبحانه وتعالى على الناس المقادير الخير والشر, وقدر على الناس كونهم فريقين, فريق في النعيم وفريق في الجحيم, وقدر الله عز وجل لكل أحد عملًا, وقدر الله عز وجل لغير الناس من المخلوقات في الجمادات والبهائم؛ قدر الله سبحانه وتعالى مجراها وسيرها, وما تزيد فيه وما تنقص وأعراضها وأماكنها، وما من شيء إلا ويعلمه الله عز وجل، وعنده سبحانه وتعالى في كتاب.
ولما ظهرت مسألة نفي القدر، وهذا في زمن أواخر الصحابة عليهم رضوان الله، كما جاء في مسلم من حديث عبد الله بن بريدة لما قال: (أتينا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وهو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله, فقلنا: إنه ظهر قبلك أقوام يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنُف, قال: فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني, وأن الله لا يتقبل من أحد عملًا حتى يؤمن بالقدر) .ومسألة القدر من المسائل الشائكة على كثير من الأفهام, والواجب على المؤمن التسليم. وقد ظهرت الطوائف لما قاموا بالإيغال في أمثال هذه المعاني، ووجدوا لوازم كثيرة يرون أنها لوازم لا تجري على بقية معاني النصوص, فمنهم من قال بنفي القدر, ومنهم من قال بالجبر، ومؤدى الطائفتين في ذلك في ظاهر أمرهم أنهم يريدون تنزيه الخالق سبحانه وتعالى, ولكن الله جل وعلا قد جعل أحكام الدين للناس وبينها، وأمر عباده التسليم بذلك.