ومسألة القدر وإجراء الكون ومعرفة الغيب وما يأتي بعد ذلك من تقدير الأشياء والخلق هذا من الأمور المشكلة حتى عند كثير من الطوائف التي لا تؤمن بالنبوات سواء آمنت بالنبوات أو غيرها, فتجد أن البابليين يقولون بما يتعلق من تقدير مقادير المخلوقات يؤمنون بتأثير الكواكب, فيجعلون لكل كوكب تصريفًا في جانب من جوانب الكون, فيؤمنون بأن هذا يصرف ذلك الأمر، وهذا يصرف ذلك الأمر, فيكون بينها نوع من التداخل والتنازع والتصرف في هذا الكون, ولهذا يريدون من ذلك حلًا لما يجدونه من إشكال في معرفة القدر وتقديره. وأما ما يتعلق بالفرس وأضرابهم الذين يقولون بتعدد الإلهة؛ إله للشر وإله للخير, فيجعلون مقادير الخير لإله الخير, وما يتعلق بمقادير الشر لإله الشر, وهي النور والظلمة, وغير ذلك من الأقوال المعروفة عنهم. وأما بالنسبة لفلاسفة الهند فإنهم يجعلون إله القدر إلهًا خاصًا منفكًا عن معبوده, هو الذي يقدر المقادير ويقوم بتصريفها. وكذلك ما يتعلق باليونان وفلاسفتهم في هذا الباب, منهم من يحاول التنزيه, يؤمن بوجود الخالق، ولكن يتحيرون في مسألة تقدير الشر على أناس يرتضون أمره، ويسلم أقوامًا لا يرتضون أمره، فيجعلون الخالق خارج تدبير الكون, وعلى هذا يجري أفلاطون و سقراط و أرسطو , يجعلون أن الخالق موجود، ولكن أوجد الكون وأوجد قانون السببية الحتمية، ثم بعد ذلك الناس يجرون في هذه المعادلة، والخالق بعيد عنها, ويقولون: إن الله عز وجل أعدل من أن يقدر بعباده أمثال هذه الحوادث, قالوا: فالله عز وجل خلق الكون، ثم تركه على معادلة يجري عليها الناس. وجرى بعد ذلك تعظيم العقل والحذق في كثير من الأمور وعدم التسليم بتدخل الخالق, ولهذا ضعف عند الفلاسفة التعلق بالخالق سبحانه وتعالى, وهؤلاء منهم من يؤمن بخالق يختلف عن الخالق الآخر من جهة حقيقته وماهيته ونحو ذلك.