فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 241

والطوائف في مسألة القول والعمل وكذلك الاعتقاد المخالفة لمنهج الحق كثيرة, وقد زادت في مسائل تنوع ألفاظها ونحو ذلك في الأزمنة المتأخرة كثيرًا, والغلاة في ذلك الذين يجعلون العبرة بعمل القلب لا بقول اللسان ولا بعمل الجوارح, فهم يقولون: إذا وجدت المعرفة القلبية والتصديق القلبي فإن ذلك كافٍ في ثبوت إيمان الإنسان, وأما بالنسبة للقول فيجعلون ذلك دلالة ظاهرة على إيمانه, لا هي الإيمان بذاته, وهؤلاء غلاة الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة, وكان ثمة لوازم لقولهم هذا أن كل من في الأرض من الأمم التي حاربهم الأنبياء وقاتلهم على نطق الشهادة إيمان بالله سبحانه وتعالى أن هؤلاء من أهل الإيمان, ففرعون يعلم أن الله عز وجل واحد، لكنه جاحد, كذلك كفار قريش, والله عز وجل يقول عن قوم موسى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] , إذًا هم يعلمون بالربوبية معرفة قلبية. ولهذا الذي يستدل بالمعرفة القلبية أو بالمعاني الروحانية من معرفة الله عز وجل، وتعلق قلبه بالله، ومع ذلك لا يتوجه إلى الله عز وجل بشيء من العمل ولا بالقول الذي يثبت صحة إيمانه هذا لا ينتفع بما يزعمه من معرفة قلبية. وكذلك إبليس ألا يعلم أن الله عز وجل واحد؟ وأنه هو الخالق وهو الرازق وهو المستحق للعبادة؟ ولكنه معاند, ولهذا يقول موسى عليه السلام عن فرعون: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء:102] , لقد علمت إذًا أنت تعرف. وأكثر الأمم لا تنكر وحدانية الله عز وجل؛ ولا تنفي وحدانية الله عز وجل، ولكنها تجحدها ظاهرًا, وعلى هذا تكون المعرفة القلبية مجردة لا قيمة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت