فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 241

ومنهج المعتزلة في هذا الباب هو أقرب إلى الفهم واستيعاب العقل من منهج الأشاعرة, فهم يقولون مثلًا في مسألة السببية: إذا أراد الإنسان الشبع فالأصل أنه يأكل, إذا أكل فإنه حينئذٍ يشبع, وسبب الشبع الأكل, هم يقولون: إن الله أوجد الأكل وأوجد الشبع بعد وجود الأكل، ولا صلة بينهما, قالوا: وذلك أن الله قادر على أن يوجد الشبع بلا أكل, نقول في مثل هذا: ما يتعلق بالإعجاز أوجده الله عز وجل باطنًا وإن لم تره ظاهرًا, ولهذا عطلوا جانب السببية, وكذلك من جهة العمل, وعظموا في ذلك جانب العقل في هذا الباب. ولهذا نقول: كل ما غلا الإنسان في جانب السببية نفى في ذلك ما يجري على خلافها بالظاهر, وإن كان يجري بالباطن, ما الذي يجري على خلافها؟ المعجزات والكرامات, ولهذا المعتزلة ينفون المعجزات, ولا يؤمنون بها؛ لماذا؟ بسبب قانون السببية لديهم, انشقاق القمر قالوا: يخالف قانون السببية؛ لأن مثل هذا تصرف كوني ومعادلة كونية لا بد أن تحدث, وينفون كذلك الكرامات. الأشاعرة في هذا طوائف منهم يثبتون، وطوائف منهم ينفون.

أهل السنة في هذا الباب يقولون: إن الله عز وجل قدر المقادير، ويعلم ما كان، ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, وأن تقدير الله عز وجل لا يعطل على العبد اختياره, وله مشيئة, وهداه الله عز وجل النجدين, عرف طريق الحق وطريق الباطل, طريق الخير وطريق الشر, وله اختيار يحاسبه الله عز وجل على اختياره. ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] , في هذا إشارة إلى أن بالرسول أثر على العمل, على اختيار الإنسان, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] , فللإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو عمل القلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت