فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 241

فالعلم الكامل في ذلك يرجع إلى المقدر وهو الخالق؛ لأنه لا يعلم الشيء بتفصيله على سبيل الكمال إلا من صنعه ووضعه, فالعلم لازم للقدر, والقدر لازم للعلم, فمن نفى هذا نفى هذا, ولا يمكن أن يقدر الله عز وجل للخلق المقادير وهو لا يعلم, تعالى الله عز وجل عن ذلك, ولا يمكن أن يعلم الله عز وجل مقادير وأحوال الكائنات فيما يأتي إلى قيام الساعة، ثم لم يكن هو الذي قدرها, فأنى أتى العلم بتفصيل دقائق وتحول الأجزاء وانتقالها وتحول المادة وخلق الكون ونحو ذلك من مثل هذه الدقائق، ثم لم يكن هو الذي قدرها؟ إما أن يكون العلم مكتسبًا من غيره, تعالى الله عز وجل عن ذلك, أو يكون هو الذي خلق وقدر، ويعلم ما خلق وقدر, ولهذا الله عز وجل يقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14] , لأنه هو الذي خلقها, فبخلقه لها علم سبحانه وتعالى أحوالها؛ لأنه هو سبحانه وتعالى هو الصانع لهذه الأشياء. والأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري في هذه المسألة أرادوا أن يتوسطوا بين مذهب المعتزلة وبين مذهب أهل السنة، فجاءوا بمسألة الكسب, ومسألة الكسب في هذا فيها من جهة الحقيقة جبر, وإن كانوا يحاولون أن يتلاعبوا بالألفاظ ونحو ذلك, وأن يخرجوا من قول المعتزلة أن العبد يخلق فعله, يقولون: الله عز وجل هو الخالق, لكنهم يعطلون قانون السببية، عند المتكلمين يسمى قانون السببية, أي: المعادلات, أنه يلزم من هذا أن يحدث هذا, فالإنسان إذا أراد أن يقتل أحدًا ضربه بسهم أو برصاص أو نحو ذلك, فإنه يرديه قتيلًا إذا أتاه في مقتل، هم يقولون: هذا ليس سببًا لذاك, ولكن الله عز وجل أوجده كما أوجد الضرب, قالوا: أوجد الله الضرب ثم أوجد الله القتل, فإذا أراد الإنسان أن يفعل شيئًا أوجد الله عز وجل فعله، وأوجد أثره على حد سواء, قالوا: وليس للعبد في ذلك أثر. وهذا فيه مناقضة للعقل وتعطيل لإحكام الله عز وجل في هذا الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت