فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 241

والمتكلمون الأوائل من الفلاسفة من اليونان والرومان وغيرهم يبتون أن الله عز وجل هو الخالق, ولكن لا يجعلون له تصرفًا في الكون, ثم جاء تبعًا لذلك تعظيم العقل, وأشهر هذه المدرسة أرسطو في هذا, ثم جرى على ذلك تلامذته, وتبعه أيضًا بعض الفلاسفة المنتسبين للإسلام الذين يسمون بالمشائين, وأرسطو حينما كان يدرس فلسفته كان يجري معه تلامذته, يسيرون معه ذهابًا ومجيئًا, يعني: يعلم التلاميذ وهو في مسيره, فكان التلاميذ يسمون بالمشائين, يعني: يمشون معه ويأخذون منه العلم, فمن تبع أرسطو في مسألة القضاء والقدر سموا أيضًا بالمشائين, ولو كانوا من فلاسفة الإسلام؛ كابن سينا و الفارابي و الكندي و ابن رشد وغيرهم الذين جروا على مثل هذه الفلسفة, الذين قالوا: إن الله عز وجل خلق الخلق وأوجد قانون السببية, هي معادلات الحوادث التي تكون, قالوا: فإن الإنسان إذا أراد أن يُحدث شيئًا فعل, وهذه الفعلة معادلة, لا بد أن يحدث في ذلك النتيجة, وجروا على هذا الأمر, فجعلوا الإنسان خالقًا لفعله, وهذا جرى عليه أيضًا جملة من الفلاسفة حتى المعاصرين. ولكن نقول: إن الأدلة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إثبات أن الله عز وجل الخالق وهو المقدر للحوادث, إلا أن الله عز وجل أثبت لعباده المشيئة, وإذا كان الإنسام مجبورًا فما الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، إذا كان الإنسان يقدر عليه هذا الأمر؟ وأما ما يتعلق بالمعتزلة, وهم الذين يقولون: إن الله عز وجل لم يقدر على عباده المقادير, وقالوا: إن العباد يخلقون أفعالهم, وحملهم على ذلك جريهم على أصولهم في هذا، ومنها العدل, قالوا: العدل, يعني: أن الله عز وجل لا يقدر على عباده السيئات ثم يعاقبهم عليها, ومقتضى ذلك أن ننفي القدر, ولازم ذلك أن ينفوا علم الله سبحانه وتعالى بالحوادث؛ لأن العلم الدقيق بحوادث الكون وتنقلها وأحوالها وتطوراتها يلزم من ذلك ألا يعلم إلا من قدرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت