ولهذا لما سئل عامر الشعبي عن أكل الذباب, قال: إن اشتهيت فكل؛ لأنه إذا اشتهيته لا يوجد تكليف, فتتوازن الشريعة مع الطبع, فإذا وجد الطبع ضعيفًا جاء النص قويًا؛ حتى تكون ثمة موازنة, والنفس تتشوف إلى الزنا، وشرب الخمر جاءت النصوص في ذلك قوية, مع أن ضرر القاذورات وشربها أشد ضررًا على الإنسان من الخمر, فجاء النص بالخمر أشد ومستفيضًا, ولم يأت في هذه القاذورات؛ لأن وازع الطبع بالنفرة منها قويًا. وكذلك تجد حتى في مسألة الخلوة بالمرأة, الرجل الكافر يخلو بابنته وهو محرم لها، ويسافر بها, لكن الرجل الصالح العابد هل يسافر بالأجنبية؟ لا, هذا لديه وازع شرع؛ صالح؛ لماذا لا يخلو بها, ووازع الشرع لديه ظاهر؛ لماذا؟ لأن وازع الطبع ضعيف, ووازع الطبع عند الكافر على ابنته أقوى من وازع الشرع, فترك هذا الأمر, ولهذا الكافر يخلو بابنته ولو كان كافرًا، وبأخته ولو كان كافرًا، والصالح مهما بلغ صلاحًا لا يسافر بالأجنبية ولا يخلو بها, ولهذا تأتي الشريعة بالموازنة بين هذين الأمرين. والله سبحانه وتعالى يعاقب أقوامًا في النار بسبب مخالفة دليل الفطرة, الذي ثبت لديه أصل الإيمان واستقر لديه ولكن قتل ودليل الفطرة يمنع, سرق ويعلم أن السرقة بدلالة الفطرة ممنوعة، ولو لم يكن لديه دليل من القرآن بالنص وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ظاهر, وهؤلاء عاقبهم الله جل وعلا بفعل المحرم، ولم يوجب الله عز وجل لهم دخول الجنة بعمل؛ لأنه ليس لديهم عمل.
قال المصنف رحمه الله: [ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) , والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي, والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها] .