فالله سبحانه وتعالى قد جعل في الدلالة إلى الخير أمرين: الأمر الأول: الدلالة الشرعية, الثاني: الدلالة الفطرية, فالإنسان يعلم أن الكذب مذموم بجميع الفطر, والسرقة في أي ملة حتى الملحد يعلم أن السرقة مذمومة, وقتل النفوس يعلم أنها مذمومة, وغير ذلك من الأمور المحرمة, ومثل هذا لو لم يرد لديه علم من الشرع وبلغه التوحيد، ولم يرد لديه أن السرقة حرام بنص الشرع بوحي الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرق هل يعاقب أو لا يعاقب؟ يعاقب؛ لماذا؟ دلالة الفطرة, قتل ألا يعاقب أو لا يعاقب؟ يعاقب. لكن قد يقول قائل: إنه لم يرد لديه شيء من الوحي من كلام الله وكلام رسول الله يدل على أن هذا القتل حرام, وأن السرقة حرام, وإنما بلغه عن الإسلام هو التوحيد؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله. نقول: يحاسب على ذلك؛ لأن دلالة الفطرة في ذلك ظاهرة وقوية, ولهذا نقول: إن الوازع الذي جاء به الشرع في بيانه الشرع على نوعين: وازع شرع, ووازع طبع, فوازع الشرع قوي, ووازع الطبع قوي, وتارة يكون وازع الطبع أقوى من وازع الشرع, وإذا كان وازع الطبع قويًا ضعف وازع الشرع, ولا يأتي وازع الشرع قويًا كغيره. ولهذا نجد كثيرًا من الأمور إذا كان وازع الطبع ضعيفًا جاءت النصوص بالتشديد عليها؛ لماذا؟ لأن النفس تقبل عليه، فجاءت الشريعة بالتشديد على هذا الأمر, وحال نصوص الشريعة في هذه الموازنة في أمر الفطرة كحال فطرة الإنسان, فالإنسان إذا كان لديه منديل أو لديه ورقة, وهذه الورقة راكدة, والمحرك لهذا المنديل وهذه الورقة هو وازع الطبع, فإذا كان الهواء قويًا يأتي بحجرة قوية ويضعها على المنديل؛ لماذا؟ لأن الهواء الذي يجرف شديد, ولكن إذا كان لا يوجد شيء يترك، ولا يوضع عليه شيء, ولهذا تأتي الشريعة بتحريم ما تقبل النفس عليه، وترك ما تعافه النفس, ولهذا لا يوجد دليل في الشريعة على حرمة أكل التراب, وشرب العذرة، فإذا اشتهى الإنسان ذلك ارتفع التكليف.