على ما تقدم الكلام عليه أن بعض العلماء إذا أراد أن يثبت مسألة لتقريبها للناس ربما يبالغوا في مسألة الإثبات, ولهذا تقدم في كلام المصنف أن أهل الحق يعرفون ويفهمون ولا يحرفون, أي: لا يأتون بشيء من المعاني الجديدة, ولهذا يروى عن بعض الأئمة عليهم رحمة الله أنهم يثبتون صفة الفم لله سبحانه وتعالى لا على سبيل الالتزام بها, وإنما من باب تقريب أن الله عز وجل تكلم على الحقيقة, وقد ذكر القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات رواية عن الإمام أحمد أنه قال: تكلم الله كلامًا بفيه, يعني: يريد من ذلك أن الله عز وجل تكلم على الحقيقة, وهذا إثبات صفة الفم لله سبحانه وتعالى, لا دليل عليها من كلام الله عز وجل, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, والإمام أحمد رحمه الله لا يريد من ذلك إقرارًا لهذه الصفة, وإنما يريد إثبات أن الله سبحانه وتعالى تكلم على الحقيقة, لا أنه عبر بمعنى قائم في نفسه, أو خلق الله عز وجل أو أوجد الكلام في الهواء, فأراد أن يحسم هذه المسألة بتقريبها تقريبًا لا يدانيه لبس. قال المؤلف رحمه الله: [كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي, ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. قال محمد بن جرير: ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله, إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبع] .وهذا أيضًا يدل على جملة من المسائل فيما يتعلق بتمسك الإمام أحمد رحمه الله وشدة وقوفه في هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة مسألة مفصلية تقتضي التبديل, فلو أقر فيها الإمام أحمد لأصبح القول قولًا واحدًا بعد ذلك, فاستمسك بهذا الأمر.