وعلى ما تقدم الكلام عليه في أن وقوف الإنسان عند النص وإثباته كما أمر الله عز وجل به هو اعتراف وإقرار بضعف الإنسان وقصوره, وعدم إدراكه ما بعد وغاب عنه, فالإنسان لا يؤمن إلا بمثله وبمثل له, وهذا المثيل سواء كان مشابهًا له أو مشابهًا لغيره هو الذي ينقدح في ذهن الإنسان. وقوله هنا: (الكيف غير معقول) ؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يعقل ما له مثيل, ومدارك الناس تتباين في هذا, كلٌ لديه من معرفة الأشياء والأعيان ما يختلف عن غيره, فالإنسان يؤمن بشيء قد رآه فيأنس به؛ لماذا؟ لأنه قد رآه كثيرًا, وما لم يره يستوحش منه, فلو قدر أنك أتيت بشخص وقطعت يده ورجله ثم وضعته في غرفة أو وضعت معه اثنين وهم مقطوعي اليدين ولم ير إلا من كان مثله, ثم بعد عشر سنوات أو عشرين سنة أي: بعد تمييزه أخرجته للناس وهو يرى الأطراف فإنه يستوحش, ويقول: ما هذه التي تخرج من الناس؟ لأنه في حياته لا يرى إلا أناسًا بلا أطراف, ويظن أن الناس قد ولدوا على هذا, فلما رأى الإنسان سويًا استوحش منه, ولهذا نقول: إن الإنسان لا يؤمن إلا بما رأى, ويستوحش ويقيس على ما عليه, ولهذا في قول الإمام مالك رحمه الله يقول: الكيف غير معلوم, يعني: غير مدرك, ليس له مثيل, لا في ذهن الإنسان ولا في واقعه, لا في ما يؤلف من المتشابهات, ولا أيضًا مما كان له عين واحدة فيستطيع الإنسان أن يقيس عليه غيره. قال المؤلف رحمه الله: [وأخبرنيه جدي أبو حامد أحمد بسنده إلى جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله , الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] , كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكًا وجد من شيء كوجده من مقالته, وذكر بنحوه. وسئل أبو علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء, وقيل له: كيف استوى على العرش؟ فقال: إنا لا نعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا, وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه, ولم يخبرنا كيف استوى.