فاختلفوا في الحلقة، أيّهم يقعد فيها؟ فبلغ الشافعي، فقال: الحلقة للبويطي، فلهذا اعتزل ابن عبد الحكم الشافعي وأصحابه، وكانت أعظم حلقة في المسجد. والناس إليه في الفتيا، والسلطان إليه. فكان أبو يعقوب البويطي، يصوم، ويقرأ القرآن. لا يكاد يمر يوم وليلة إلا ختم، مع صنائع المعروف إلى لناس. قال: فسعي به، وكان أبو بكر الأصمّ [1] من سعى به، ليس هو بابن كيسان الأصم. وكان أصحاب ابن أبي دؤاد وابن [2]
الشافعي ممن سعى به، حتى كتب فيه ابن أبي دؤاد، إلى والي مصر، فامتحنه فلم يجب. وكان الوالي حسن الرأي فيه. فقال: قل فيما بيني وبينك قال: إنه يقتدي بي مائة ألف، ولا يدرون المعنى. قال: وكان قد أمر أن يحمل [3] إلى بغداد في أربعين رطل حديد. قال الربيع: وكان المزني ممن سعى به، وحرملة. قال أبو جعفر الترمذي. فحدثني الثقة عن البويطي، أنه قال: برىء الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة والمزني، وآخر [4] . وقال الربيع: كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر [5] الله.
ما أبصرت أحدا أنزع بحجّة في كتاب الله من البويطي، ولقد رأيته [6] على بغل، في عنقه غلّ، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت مخلوقة، فكأنّ مخلوقا، خلق بمخلوق. ولئن أدخلت عليه، لأصدقنّه يعني الواثق [7] ، ولأموتنّ في حديدي هذا، حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. وقال الربيع أيضا: كتب إليّ البويطي، أن صبّر نفسك للغرباء، وحسّن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أتبع الشافعي رحمه الله يكثر أن يتمثّل بهذا البيت:
أهبن لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولن تكرم النّفس التي لا تهينها [8]
الشافعي، توفي سنة 264هـ بمصر، وله مصنفات / ابن النديم: الفهرست ص 298.
(1) هو محمد بن منذر النيسابوري الفقيه (أبو بكر) حاجي خليفة: كشف الظنون 33، 135، 140.
(2) ساقطة.
(3) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 14/ 301.
(4) الذهبي: سير أعلام النبلاء 12/ 60، 61.
(5) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 14/ 300.
(6) ابن الجوزي: المنتظم 11/، والخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 14/ 300.
(7) تاريخ بغداد 14/ 312.
(8) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 14/ 302، البيهقي: مناقب الشافعي 2/ 101، 147،