أبو العباس بن سريج، بشيراز [1] ونحن نحضر مجلسه لدرس الفقه فقال لنا: محبّة الله فرض أم لا؟ فقلنا: فرض. قال: ما الدليل؟ فما فينا من أجاب بشيء، فسألناه؟
فقال: قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ وَأَبْنََاؤُكُمْ} [2] الآية. قال: فتوعّدهم الله على تفضيل محبتهم لغيره، على محبته. والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم. وقال ابن باكويه: كنت سمعت ابن خفيف يقول: كنت في بدايتي أقرأ في ركعة واحدة عشرة آلاف مرة {قُلْ هُوَ اللََّهُ أَحَدٌ} [3] وربما كنت أقرأ في الركعة القرآن كله. وعن ابن خفيف أنه كان به وجع الخاصرة، فكان إذا أخذه، أقعده عن الحركة، فكان إذا أقيمت الصلاة يحمل على الظهر إلى المسجد. فقيل له: لو خفّفت على نفسك. فقال: إذا سمعتم حيّ على الصلاة، ولم تروني في الصّف، فاطلبوني في المقابر [4] ، وقال ابن باكويه: نظر أبو عبد الله بن خفيف يوما إلى ابن أمّ مكتوم [5] ، وجماعة من أصحابه، يكتبون شيئا.
فقال: ما هذا؟ قالوا: نكتب كذا وكذا. قال: اشتغلوا بتعلّم شيء، ولا يغرّنّكم كلام الصوفية، فإني كنت أخبىء محبرتي في جيب مرقّعتي، والورق في حجرة سراويلي، وأذهب خفية إلى أهل العلم، فإذا علموا بي خاصموني، وقالوا: لا تفلح. ثم احتاجوا إليّ. توفي ليلة ثالث رمضان، عن خمس وتسعين سنة، وقيل: عاش مائة سنة وأربع سنين، وازدحم الخلق على جنازته، وكان أمرا عظيما، وصلّوا عليه نحوا من مائة مرّة [6]
رحمه الله ورضي عنه.
211 -أحمد بن [7] محمد بن علي بن الحسين بن يحيى القصري، أبو بكر
(1) شيراز: قصبة بلاد فارس، تبعد عن نيسابور 120فرسخا، بناها المسلمون في القرن الأول الهجري، معجم البلدان: ياقوت 3/ 380، 381.
(2) سورة التوبة (9) ، الآية (24) .
(3) سورة الإخلاص (112) الآية (1) .
(4) طبقات الأولياء 293رقم 11.
(5) هو: أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم، تاج الدين، أبو العباس، السبكي: طبقات الشافعية 9/ 188، 10/ 196.
(6) انظر: طبقات الأولياء 294.
(7) ترجمته في: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 5/ 69 (ترجمة رقم 2446) ، السبكي 3/ 47،