والناس ورائي، وأنا ملطّخ بالدماء جائع لي أيام لم آكل، فرأتني عجوز فقيرة فقالت:
ادخل إلينا، فدخلت ولم يرني الناس، وغسلت وجهي ويديّ، فإذا الأمير قد أقبل يطلبني، فدخل ومعه جماعة، وجرّ من منطقته سكّينا وحلف بالله وقال: إن أمسكني إنسان لأقتلنّ نفسي، وضرب بيده رأسه ووجهه مائة صفعة، حتى منعته أنا ثم اعتذر وجهد بي أن أقبل شيئا فأبيت وهربت ليومي من المدينة [1] . فحدّثت بعض المشايخ فقالوا: هذا عقوبة انفرادك فما دخلت [مكانا] [بعد ذلك] فيه فقراء، إلا قصدتهم. وقال أبو عبد الله بن باكويه: سمعت أبا عبد الله بن خفيف، وقد سأله قاسم الإصطخري عن الأشعري فقال: كنت مرة بالبصرة جالسا مع عمرو بن علّويه على ساجة [2] في سفينة نتذاكر في شيء. فإذا بأبي الحسن الأشعري، قد عبر وسلّم علينا وجلس، فقال عبرت عليكم أمس في الجامع، فرأيتكم تتكلمون في شيء، عرفت الألفاظ، ولم أعرف المغزى، فأحبّ أن تعيدوها عليّ قلت: وفي أي شيء كنّا؟ قال: سؤال إبراهيم عليه السلام {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ََ} [3] وسوال موسى عليه السلام {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [4] فقلت: نعم. قلت: إن سؤال إبراهيم، هو سؤال موسى، إلا أن سؤال إبراهيم سؤال متمكّن، وسؤال موسى سؤال صاحب غلبة وهيجان.
فكان تصريحا، وكان سؤال إبراهيم تعريضا، وذلك أنه قال: أرني كيف تحيي الموتى، فأراه كيفية المحيا، ولم يره كيفية الإحياء، لأن الإحياء صفته، والمحيا قدرته. فأجابه إشارة كما سأله إشارة. إلا أنه قال في الآخر: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [5] والعزيز: المنيع. فقال أبو الحسن: هذا كلام صحيح. ثم إني مشيت مع أبي الحسن، وسمعت مناظرته، وتعجبت من حسن كلامه، حين أجابهم. قال أبو العباس الفسوي [6] : صنّف شيخنا ابن خفيف من الكتب، ما لم يصنّفه أحد، وانتفع به جماعة صاروا أئمة، يقتدى بهم، وعمّر حتى عمّ نفعه البلدان، وقال أبو الفتح عبد الرحيم بن أحمد، خادم ابن خفيف: سمعت أبا عبد الله بن جعفر يقول: سألنا يوما القاضي
(1) ابن كثير: البداية والنهاية 29911، الشعراني: الطبقات الكبرى 1421.
(2) الساجة: مفرد الساج، وهو الخشب المجلوب من الهند.
(3) سورة البقرة، الآية: 260.
(4) سورة الأعراف. الآية: 143.
(5) سورة البقرة، الآية: 260.
(6) ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 299.