فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 794

ما سمعت شيئا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأستعمله، حتى الصلاة على أطراف الأصابع، وهي صعبة. قال السّلّمي [1] : قال أحمد بن يحيى الشيرازي: ما أرى التصوّف إلّا انختم بأبي عبد الله بن خفيف، وكان رحمه الله من أولاد الأمراء، فتزهّد حتى قال: كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل، وأغسلها، وأصلح منها ما ألبسه، وبقيت أربعين شهرا، أفطر كلّ ليلة على كفّ باقلّاء [2] ، فافتصدت فخرج من عرقي شبيه بالدم فغشي عليّ، فتحير الفصّاد، وقال: ما رأيت جسدا بلا دم إلا هذا [3] ، وقال ابن باكويه:

سمعت أبا أحمد الكبير يقول: سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: تهت في البادية، وجعت حتى سقطت لي ثمانية أسنان، وانتثر شعري ثم وقعت إلى فيد [4] ، وأقمت بها حتى تماثلت وحججت، ثم مضيت إلى بيت المقدس، ودخلت الشام، فنمت إلى جانب دكّان صبّاغ، وكان معي في المسجد رجل به [بطن] قيّام [5] ، فكان يخرج ويدخل إلى الصباح، فلما أصبحنا صاح الناس، وقالوا: نقبت دكان الصباغ، وسرقت، فدخلوا المسجد ورأونا، فقال المبطون: لا أدري غير أن هذا طول الليل كان يدخل ويخرج، وما كنت خرجت أنا إلا مرّة تطهّرت، فجرّوني، وضربوني وقالوا: تكلّم، فاعتقدت التّسليم، فكانوا يغتاضون من سكوتي، فحملوني إلى دكّان الصبّاغ، وكان أثر رجل اللصّ في الرّماد، فقالوا: ضع رجلك فيه، فوضعت. فكانت على قدر رجلي، فزادهم غيظا [6] . وجاء الأمير، ونصبت القدر فيها الزّيت يغلي، وأحضرت السكّين، ومن يقطع اليد. فرجعت إلى نفسي فإذا هي ساكنة. فقلت: إن أرادوا قطع يدي، سألتهم أن يعفوا عنّي لأكتب بها، فبقي الأمير يهددني ويقول ويصول، فنظرت إليه فعرفته، وكان مملوكا لوالدي يكلّمني بالعربية. فكلّمته بالفارسيّة، فنظر إليّ. وقال:

أبو الحسين، وكنت أكنّى بها [في] صباي، فضحكت فعرفني، فأخذ يلطم رأسه ووجهه، واشتغل الناس به، فإذا بضجّة عظيمة، وإذا اللّصوص قد مسكوا، فذهبت

(1) السلمي: طبقات الصوفية ص 462.

(2) الباقلاء: نبات عشبي سنوي زراعي من فصيلة القطانيات الفراشية / المعجم الوسيط /.

(3) ابن عساكر: تيين كذب المفتري 191.

(4) فيد: اسم مكان بشرقي سلمى أحد جبلي طيء، وينسب إليه حمى فيد: السبكي: طبقات الشافعية 3/ 154، 7/ 190/ وابن هشام: السيرة 2/ 577.

(5) قيّام: كثير القيام، لا يهدأ ولا يستقر.

(6) ابن كثير: البداية والنهاية 11/ 299، الشعراني الطبقات 1/ 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت