رأيه، لمعرفته وفضله. جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسّنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة، والتابعين، بصيرا بأيام الناس، وأخبارهم، له الكتاب المشهور (في تاريخ [1] الأمم) وكتاب (النّفيس) [2] الذي لم يصنّف مثله، وكتاب (تهذيب الآثار) لم أر مثله في معناه، ولكن لم يتمّه. وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء. وتفرّد بمسائل حفظت عنه. وقال غيره: مولده بآمل طبرستان سنة أربع وعشرين ومائتين، قال أبو محمد الفرغانيّ: كتب إليّ المراغيّ يذكر، أن المكتفي قال للحسن بن العباس: إني أريد أن أوقف وقفا يجمع أقاويل العلماء، على صحته ويسلم من الخلاف. قال:
فأحضر ابن جرير، فأملى عليهم كتابا بذلك. فأخرجت له جائزة سنيّة، ما رضي أن يقبلها، فقيل له: لابد من جائزة أو قضاء حاجة. فقال: نعم. أسأل أمير المؤمنين، أن يتقدم إلى الشّرط أن يمنعوا السّؤّال من دخول المقصورة يوم الجمعة. فتقدم بذلك، وعظم في نفوسهم [3] . قال أبو محمد الفرغاني صاحب ابن جرير فأرسل إليه العباس بن الحسن الوزير: قد أحببت أن أنظر في الفقه.
وسأله أن يعمل له مختصرا. فعمل له كتاب (الخفيف) وأنفذه إليه. فوجّه إليه بألف دينار، فلم يقبلها، فقيل له: تصدّق بها. فلم يفعل [4] . وقال الخطيب [5] : سمعت علي بن عبيد الله اللغوي يقول: مكث ابن جرير أربعين سنة، يكتب كل يوم أربعين ورقة. وأما أبو محمد الفرغاني، فقال في «صلة التاريخ» له: إن قوما من تلامذة أبي جعفر الطبري، حسبوا لأبي جعفر منذ بلغ الحلم إلى أن مات. ثم قسّموا على تلك المدة أوراق مصنّفاته، فصار لكلّ يوم أربع عشرة ورقة [6] . وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني شيخ الشافعية: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن
(1) هو تاريخ الأمم والملوك، المعروف بتاريخ الطبري، الفهرست: ابن النديم ص 327.
(2) هو كتاب تفسير الطبري المعروف، وقد اختصره جماعة منهم أبو بكر بن الإخشيد. الفهرست ص 327.
(3) ابن عساكر، تاريخ دمشق 37/ 249.
(4) ابن عساكر، تاريخ دمشق 37/ 249، 250.
(5) تاريخ بغداد 2/ 163، ابن الجوزي: المنتظم 13/ 216.
(6) ياقوت: معجم الأدباء 18/ 44.