على العلم، منصرف الهمّة إليه. سمعته يقول لرجل من الفقهاء الصلحاء: ادع الله أن ينزع شهوة الحديث من قلبي، فإنّ حبّه قد غلب عليّ، فليس لي اهتمام في الليل والنهار إلّا به. أو نحو هذا. وكنت كثيرا أذاكره الأحاديث، فيكتبها عني، ويضمّنها جموعه.
وسمعت الأزهريّ يقول [1] : البرقانيّ إمام، إذا مات ذهب هذا الشأن. وسمعت محمد بن يحيى الكرمانيّ الفقيه يقول: ما رأيت في أصحاب الحديث أكثر عبادة من البرقاني [2] . وسألت الأزهري: هل رأيت شيخا أتقن من البرقاني؟ قال: لا [3] .
وسمعت أبا محمد الخلّال ذكر البرقاني فقال: كان نسيج وحده [4] . وقال الخطيب [5] :
وأنا ما رأيت شيخا اثبت منه. وقال أبو الوليد الباجيّ: أبو بكر البرقاني ثقة، حافظ، قلت: وذكره الشيخ أبو إسحاق في (طبقات فقهاء الشافعية) [6] فقال: ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، وسكن بغداد، ومات بها في أول يوم من رجب. تفقّه في حداثته، وصنّف في الفقه، ثم اشتغل بعلم الحديث، فصار فيه إماما. وقال الخطيب: حدثني أحمد بن غانم الحمامي، وكان صالحا، أنه نقل البرقاني من بيته، فكان معه ثلاثة وستون سفطا وصندوقا، كل ذلك مملوء كتبا. وقال البرقاني [7] : دخلت أسفرائين، ومعي ثلاثة دانير ودرهم، فضاعت الدنانير وبقي الدرهم، فدفعته إلى خبّاز، وكنت آخذ منه في كل يوم رغيفين، وآخذ من بشر بن أحمد جزءا فأكتبه وأفرغ منه بالعشيّ، فكتبت ثلاثين جزءا، ثم نفد ما كان [لي] عند الخبّاز فسافرت، قلت: كتاب (المصافحة) له من عالي ما يسمع اليوم. تفرّد بها بيبرس القديميّ بحلب. وعند أبي بكر بن عبد الدائم قطعة من الكتاب، يرويها عن الناصح عن شهدة، عن ابن العرب، عنه. قال الخطيب في ترجمة البرقاني: حدّثني عيسى بن أحمد الهمدانيّ، أنا: البرقاني سنة عشرين، قال: حدّثني أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. نا محمد بن موسى الصّيرفي، نا الأصمّ، نا الصّفاني نا: أبو زيد الهوريّ، نا: شعبة عن محمد بن أبي النّوّار: سمعت
(1) الخطيب: تاريخ بغداد 4/ 375.
(2) تاريخ بغداد: 4/ 375.
(3) نفسه.
(4) نفسه.
(5) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 4/ 374، وابن الجوزي: المنتظم 15/ 243.
(6) طبقات الفقهاء 127.
(7) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 4/ 376375، وابن الجوزي: المنتظم 15/ 242.