وصلّى في الجامع نحوا من عشرين سنة، وكان حافظا كثير السمّاع والتّصنيف، حريصا على العلم [1] . سمع بنيسابور، وهراة، وسرخس [2] ، والشّام، والحجاز والجبال، وحدّث بخراسان والهند، وجرجان، والشّام، والثّغور، والقدس، والحجاز، ورزق العزّ والجاه في الدّين والدّنيا. وكان جمالا للبلد، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمع على أنّه عديم النّظير، وسيف السّنّة، وقامع أهل البدعة، كان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور، ففتك به لأجل الذهب، وقتل وهذا الإمام صبيّ ابن تسع سنين [3] . فأقعد في مجلس الوعظ مقام أبيه «وحضر أئمّة الوقت مجالسه» وأخذ الإمام أبو الطّيب الصّعلوكيّ، في تربيته وتهيئة شأنه. وكان يحضر مجالسه، الأستاذ أبو اسحاق الإسفراينيّ، والأستاذ أبو بكر بن فورك، ويتعجبون من كمال ذكائه، وحسن إيراده، حتى صار إلى ما صار إليه، وكان مشتغلا بكثرة العبادات والطّاعات. حتى كان يضرب به المثل، وقال الحسين بن محمد الكتبي في تاريخه: توفي أبو عثمان في المحرّم، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة، وأوّل مجلس عقده للوعظ بعد قتل والده في سنة اثنين وثمانين، وفي «معجم السّفر» [4] للسّلفي: سمعت الحسن بن أبي الحرّ بن مصادة بثغر سلماس [5] يقول: قدم أبو عثمان الصّابوني بعد حجّة، ومعه أخوه أبو يعلى، في أتباع ودوابّ، فنزل على جدّي أحمد بن يوسف بن عمر الهلاليّ، فقام بجميع مؤنه. وكان يعقد المجلس كلّ يوم. وافتتن النّاس به، وكان أخوه فيه دعابة.
وسمعت أبا عثمان وقت أن ودّع النّاس يقول: يا أهل سلماس لي عندكم شهر أعظ، وأنا في تفسير آية وما يتعلق بها، ولو بقيت عندكم تمام سنة، لما تعرّضت لغيرها، والحمد لله. وقال عبد الغافر [6] : حكى الثّقات أنّ أبا عثمان كان يعظ، فدفع إليه كتاب
(1) الذهبي: تاريخ الإسلام (ترجمة رقم 313) ص 225.
(2) سرخس: مدينة كبيرة في خراسان تقع بين نيسابور ومرو في وسط الطريق بينهما «ياقوت: معجم البلدان 3/ 208» .
(3) ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق 4/ 363، بدران: تهذيب تاريخ دمشق 3/ 34.
(4) هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة السّلفي، الأصبهاني (أبو طاهر) محدث، أديب، فقيه له مصنفات منها (معجم السفر) . ابن العماد: شذرات الذهب 4/ 255، الذهبي: تذكرة الحفاظ 4/ 9590 ))
(5) ثغر سلماس: مدينة مشهورة بأذربيجان، تبعد عن تبريز ثلاثة أيام وكانت من ثغور المسلمين الهامة انظر: ياقوت معجم البلدان 3/ 23.
(6) المنتخب من السياق ص 135.