والتسليم المراد بذلك: أن الإنسان إذا ظهرت له العلة أو لم تظهر عليه أن ينقاد لما جاء من معنى ولو لم يقبله عقلًا, وأن يتهم الإنسان عقله فيما خرج عنه؛ لأن الإنسان لا يدرك كل شيء, ولا يستوعب كل شيء, وربما تحير إذا أطال التأمل في دليل من الأدلة أو نحو ذلك, باعتبار أن عقل الإنسان وقلبه كذلك إنما هو وعاء يسير, فإذا أراد أن يعرف كل حقيقة استحال منه ذلك وازداد تحيرًا, فإذا قلنا: إن علم الله عز وجل لا حد له ولا حصر, وعقل الإنسان لا يستوعب من العلوم إلا شيئًا يسيرًا؛ كحال الكأس اليسير إذا أراد الإنسان أن يفيض فيه ماء البحر ثم صبه عليه أي: صبه على كأس يسير؛ فقام البحر بغمس وطمر ذلك الإناء فيه وطويه, فازداد عقل الإنسان وقلبه حيرة, وعليه ينبغي أن يسلم لما جاء عن الله سبحانه وتعالى من أخبار, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه البلاغ, وعلى الأمة التسليم, ولهذا نقول: إن البحث عن العلل والإيغال في ذلك يعلق الإنسان بها ويجعله يتوقف عن التسليم بها إذا لم يجد من ذلك علة ظاهرة, ولكن نقول: لا يعطل الإنسان العلل, ولكن لا يؤمن فيها؛ لأن ذلك يعارض التسليم, فلو بحث الإنسان في كل علة من علل التشريع وأراد أن يوجد من ذلك شيئًا, وإذا لم يوجد فإنه يرجع الإنسان إلى شيء من الحيرة والتردد في هذا, هذا يورثه شيئًا من بعض التسليم, ولكن إن وجد علة ظاهرة تمسك بها ودعته ذلك إلى شيء من قوة الإيمان والتصديق والثبات, وإذا لم يجد علة سلَّم وآمن, والله عز وجل فصل الأحكام, فأمر بالصلوات الخمس, ولماذا جعلها بمثل هذا العدد؟ ولماذا جعل الفجر ركعتين والمغرب ثلاثًا والبقية أربعًا؟ ولماذا جعل الجهرية في مواضعها, وجعل السرية في مواضعها؟ نقول: هذه لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى, ولماذا جعل الله عز وجل الإنسان في صلاته يقبض هذا القبض؟ وكذلك أيضًا في استقباله للقبلة, وتغيير الله عز وجل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد