فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 241

فإذا وجد علة سلم, وإذا لم يجد توقف, هذا هل هو تعطيل للعقل؟ لا, وإنما هو بيان لضعفه, فعقل الإنسان لا يدرك كل شيء, ولو كانت أحكام الشريعة كلها ثابتة العلل مدركة للإنسان إدراكًا تامًا لما خالف شريعة الله سبحانه وتعالى أحد, وما خالفهم في ذلك إلا المجانين, ولهذا نقول: إن الحقائق الكونية الموجودة في الكون تدل على صدق وحي الله سبحانه وتعالى؛ ولكن العلة في عقل الإنسان أنه يقصر عن إدراكها؛ يولد الإنسان وعمره خمسين أو ستين أو سبعين سنة في حقبة زمنية معينة ولم يسبر الزمن, جاء في أواخر حوادث وتوفي في أوائل حوادث, فلم يدرك بداية السابقة ولا نهاية اللاحقة, فهو حتى من جهة قضية السبر لديه ضعيف؛ ولو قدر أن إنسانًا عاش من أول الكون إلى نهايته لوجد أن دلائل الكون كلها تدل على صدق ما أخبر الله عز وجل عنه سبحانه وتعالى, ولهذا كان كفار قريش يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون حينما أخبرهم أنه يذهب من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة ويرجع؛ لأنهم لا يرون الأمور والأسباب المادية قد تحققت, أو يوجد شيء ما يؤكد ذلك, فالعلة لديهم غير موجودة, ولو وجدوا اليوم لندموا عن معارضتهم في السابق, ولو وجد من ينفي هذا اليوم لاتهم بالجنون والجهل والتخلف, الذي وصف في السابق النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون, والآن من وصف الذي ينفي بالجنون أليس هو العقل ذاته؟ بلى هو العقل ذاته, العقل الذي تحمله أنت هو الذي يحمله السابقون, ولكن يختلف في ذلك التسليم, ولهذا نقول: إن الحقائق الكونية لو عاشها الإنسان ومكن من عرضها كاملة لوجد أنها موافقة لأمر الله سبحانه وتعالى ومصدقة له, ولكن الإنسان في نظره قاصر عن استيعابها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت