تقدم معنا الأدلة في هذا الباب, الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة كفر تارك الصلاة. أما كلام الأئمة عليهم رحمة الله خاصة الأئمة الأربعة؛ فأما الإمام مالك رحمه الله فلا تحفظ عنه رواية في هذا الباب, لا رواية بالكفر ولا رواية بعدمه، ولم ينقل عنه أحد من أصحابه عبارة صحيحة في هذا الباب. وأما الإمام أحمد رحمه الله فالمعروف عنه المستفيض عنه القول بكفر تارك الصلاة, وثمة بعض الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله ينقلها البعض، ويأخذ منها عدم كفر تارك الصلاة, من ذلك رواية نقلها ابنه عنه عبد الله بن السائب لما سئل عن زيادة الإيمان ونقصانه قال: يزيد الإيمان بالطاعة، وينقص بالمعصية كترك الصلاة والزكاة, لكن نقول: إن الترك هنا ليس المراد بذلك هو الإطلاق, قد يترك الإنسان الصلاة عن وقتها, أو يترك صلاة واحدة, والإمام أحمد رحمه الله لا يكفر بترك الصلاة الواحدة في ظاهر قوله. وقد أخرج في كتابه المسند من حديثه قتادة عن نصر بن عاصم (أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يبايع النبي صلى الله عليه وسلم، واشترط ألا يصلي إلا صلاتين, فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك) , وهذا لم يخرج من أهل الإيمان, واشترط بدخوله في الإيمان ألا يؤدي صلاتين, فاشترط الأداء، ما اشترط الإيمان بها, فيؤمن بها خمسًا، ولكن أداؤه على الصلاتين, وحينئذٍ نقول: إن أدنى ما ينفي عن الإنسان كفر تارك الصلاة هو أداؤه للصلاتين فما زاد, وتركه للواحدة والاثنتين ونحوها لا يكفر بذلك, ولكن ينقص إيمانه, ولهذا نقول: إن الكلام المروي عن الإمام أحمد رحمه الله من المتشابه, ينبغي أن يحمل على المحكم. وكذلك نقل ابن بطة عنه بعدم كفر تارك الصلاة كما ذكره ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني.