فقال: (قد سمع الله عز وجل قول قومك لك، وإن الله بعث إليك ملك الجبال، ويستأذنك من أن يطبق عليهم الأخشبين) ، هل النبي عليه الصلاة والسلام أشبع نزوته ورغبته النفسية بذاته؟ بحيث يظهر انتصاره أم أراد الحق؟ قال: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك معه شيئًا) .ولهذا نقول: الداعية إلى الله المصلح المتبع للحق لا يبحث عن انتصارات ذاتية، وإنما يريد من ذلك إحقاق الحق، ولهذا يوسف عليه السلام بقي في السجن بضع سنين وخرج، وما طلب تصفية الحسابات والأمور ونحو ذلك؛ لماذا؟ لأن الأمة انشغلت بمراقبة ذلك، وما جاء ذكر السجن على لسانه إلا بالحمد، وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100] ، وذلك بأنه رأى حاجة الأمة في ذلك، ولما رأى حاجة الناس واضطراب حال الناس من جهة الاقتصاد، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55] ، جعله على ذلك، قدم، فحفظ الذين ظلموا، وحفظ الناس فيهم، لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يفسد هؤلاء عن هؤلاء إلا بفساد عام يعم الناس. ولهذا المصلح الداعي لله عز وجل يهمه صلاح العامة لا صلاح نفسه وذاته، صلاح العامة، لا تصفية الحسابات، وكذلك إشباع نزوات النفس ونحو هذا، ومن نظر إلى هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجد أن أمرهم على ذلك، ويتباينون في ذلك عزمًا وقوة وصبرًا.