ومنهم من قال: إنه مشتق من العلو والارتفاع, يقال: لاه كذا أي: ارتفع, وكانت العرب تسمي الشمس: آلهة, يعني: مرتفعة, ولهذا يقول الشاعر العربي: تروحنا من الدهناء عصرًا وأعجلنا الإلهة أن تغيبيعني: استعجلنا قبل غروب الشمس أن نصل إلى مقصدنا, ومنهم من قال: هو البقاء والدوام وعدم التغير, ولهذا يقول الشاعر: ألهت بدار لا تبين رسومها كأن بقاياها وشام على اليدومنهم من قال: هو الاستتار والخفاء؛ وذلك أن الإنسان يخفى عليه من علم الله عز وجل أكثر مما يعلمه, والله سبحانه وتعالى قد حجب نفسه عن عباده في هذه الدنيا، وجعل رؤيته سبحانه وتعالى في الآخرة, ويستدلون أيضًا بقول الشاعر في معشوقته: لاهت فما عرفت يومًا بخارجة يا ليتها خرجت حتى رأيناهالاهت يعني: اختفت, ويريد من معشوقته أن تظهر له, يقول: لاهت فما عرفت يومًا بخارجة يا ليتها برزت حتى رأيناهاومنهم من قال: إن الاشتقاق بلفظ الجلالة الله أنه من أَلِه أي: التجأ, وهو من الالتجاء لله سبحانه وتعالى, ولهذا يقول الشاعر: ألهت إليكم في أمور تنوبني فألفيتكم منها كرامًا أماجداألهت إليكم أي: التجأت إليكم, والذي يظهر لي والله أعلم: أن لفظ الجلالة الله يشتق من مجموع هذه المعاني الجليلة, وأظهرها هو العبودية لله سبحانه وتعالى, وهذا ظاهر في قول الشاعر: لله در الغانيات المدَّهِ سبحن واسترجعن من تألهيعني: من تعبد, ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما جعل تحقق توحيده جل وعلا لا يجري على ما في القلب مجردًا, وإنما لابد أن يكون على ما في اللسان وعمل الجوارح, ولهذا قال: (يشهدون) أي: يجري على ألسنتهم ما يجري في بواطنهم من أعمال القلوب بالوحدانية, أي: أنه سبحانه وتعالى فرد جل وعلا في الربوبية والألوهية، وكذلك أيضًا في أسمائه وصفاته, والذين يثبتون حق الله عز وجل في العبادة هم عامة أهل الأرض, ولكن وحدانيته بهذا الحق هو الذي يضل فيه كثير من الناس,