حتى أيضًا الأشاعرة في هذا الباب, من قال منهم بأن القرآن هو كلام الله عز وجل وهو مخلوق, التزموا بجملة من اللوازم؛ وهم قلة من الأشاعرة, لكن أغلبية الأشاعرة يقولون: إن القرآن هو معنى قائم في نفسه, أوجده الله عز وجل خارجها, وهذا أيضًا يقول بنحوه الكلابية الذين يقولون بأن القرآن هو حكاية كلام الله, أو حكاية ما قام في نفس الله سبحانه وتعالى, والأشاعرة لا يقولون بأنه حكاية؛ باعتبار أن الحكاية يكون فيها زيادة أو نقصان, ولا تعني بذلك المطابقة, فإن الإنسان إذا حاكى فعلًا أو حاكى قولًا يزيد فيها أو ينقص, ولا يكون ثمة مطابقة, وهذا فيه اختلال في جانب الوحي, والأشاعرة على معاني في هذا الباب؛ منهم من قال: إن كلام الله سبحانه وتعالى هو المعنى القائم في نفسه, وأوجده الله عز وجل هكذا في الهواء, ومنهم من قال: خطه جبريل عن الله سبحانه وتعالى, وبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويتشبثون ببعض المتشابهات في هذا عضدًا لقولهم, وهذا من المواضع التي ينبغي أن يتنبه لها؛ أن كثيرًا من الطوائف حينما تقرر مسألة من المسائل تبحث عن دليل تجد من الأدلة ما يؤيد قولها, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40] , وهذا في سورة الحاقة, وكذلك في سورة التكوير, وهذا المعنى على ما حملوه قالوا: إنه ليس بكلام الله عز وجل, وإنما هو كلام الرسول, تكلم به من عنده, وعبر بما في نفس الله سبحانه وتعالى, فنسب ذلك القول هو لذلك الرسول, وما جاء في الحاقة هو في الرسول, والمقصود في ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما في سورة التكوير المراد بذلك هو جبريل, وعلى كل نقول: إن المراد بذلك هو بشارة أن الله عز وجل قد جاء إلى نبيه عليه الصلاة والسلام بكلام بلغه إليه غيره, ولو كان هذا المعنى صحيحًا أنه هو القول منه على سبيل التلفظ والإيجاد والخلق فلا معنى أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم