دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 154
كما تضع الفاصل بينه وبين المذاهب المادية، التى ترى في الحياة الدنيوية الاستقرار الكامل، والمتاع المطلق، فليس عندهم حياة أخرى وراءها، فهى عندهم المستقر والمتاع.
ومثل هذه الآية- في وضع الحياة الدنيوية في الإطار العام للوجود وتقوّيها، قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15]
ففيها تذليل الأرض لبنى آدم ليستثمروها، وفى طلب السعى للعمل، وإباحة استثمار منافعها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ
وفيها أخيرا بيان مسئولية بنى آدم عن سعيهم هذا، واستثمارهم في هذه الحياة، ومحاسبتهم في حياة أخرى وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
فالإنسان جسم مخلوق من تراب، لا بد من تغذيته، وهو من هذه الناحية حيوان ذو غرائز، محتاج إلى الطعام والشراب، بل إلى ما لا يحتاج إليه الحيوان من لباس ومسكن، وقادر على الاستفادة من أنواع المنافع، والتمتع بضروب المتع، أعلى وأوسع، وأكثر تنويعا مما عليه الحيوان.
فتحصيل ذلك كله بالنسبة إلى خلق اللّه، هو من قبيل الضروريات التى لا بد منها، أو الاحتياجات المطلوبة، أو الكماليات المرغوبة، والمهم أن يرى الإنسان في هذا النشاط سعيا وكسبا، أو انتفاعا واستثمارا وسيلة لا غاية، فالغاية وراء ذلك هو إرضاء اللّه بعمل الخير، وبشكره على نعمه، ومراعاة حقوقه وحقوق عباده، والسعى في نفعهم ومعونتهم، حتى تتحقق حكمة الاستخلاف.