فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 405

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 189

فأما مكرهم بالشعب فلأنهم ضللوهم عن اتباع الحق، وحالوا بينهم وبين الإيمان بنوح، وأما مكرهم بنوح فلأنهم كانوا يتظاهرون أمامه بأن الأمر متروك للناس، وما كانوا يظهرون له أعمالهم الحقيقية، مكروا مكرا كبيرا، ولكن اللّه مكر بهم، وهو خير الماكرين. ومن طرق المكر التى كان يسلكها أشرافهم ورؤساؤهم أنهم أشاروا عليهم، بل ونهوهم عن التفريط في آلهتهم، وكانوا يظهرون لهم في ثوب الناصح الشفوق، لا تدعن آلهتكم التى عبدتموها، وعبدها آباؤكم من قبل، ولا تدعن خاصة ودّا، ولا سواعا، ولا يغوث، ولا يعوق، ولا نسرا، إذ تلك زعماء الآلهة، وكأن الآلهة كالبشر فيها السوقة والخاصة، وفيها الأشراف والعامة.

يا رب هؤلاء الأشراف والرؤساء هم سبب البلاء والشقاء، فقد أضلوا كثيرا، وما زالوا يضلون، يا رب لا تزد الظالمين إلّا ضلالا، فهذه هى إرادتك، وهذا عملهم فلا أمل فيهم يرجى، فيارب نفّذ فيهم إرادتك بهلاكهم.

* ويصل انفعال نوح إلى ذروته، بعد أن دأب ليلا ونهارا على دعوة قومه إلى الحق، وداوم على إسداء النصح لهم سرّا وعلانية، وهم يلجّون في عنادهم وكفرهم، ويفرون من الهدى فرارا، ولا يزدادون إلّا ضلالا واستكبارا، فما كان من نوح- وقد يئس من صلاحهم إلا أن يتملكه الغيظ، ويمتلئ فوه بكلمات الدعاء الهادرة الغضبى، تنطلق في الوجود مجلجلة مدوية، بهديرها الرهيب، وإيقاعها العنيف، حين وقف داعيا على قومه بالهلاك والتبار

رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا ..

إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا ..

[نوح: 26 - 28]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت