دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 203
فنرى جزءا يصور كيف أخذ نوح يبنى سفينته، والقوم ينظرون إليه ساخرين غير عالمين بالعاقبة التى تنتظرهم، والغاية التى قدّرها اللّه تعالى من هذا البناء ..
والخيال يرى الصورة وراء العبارات، كأنها بين يديه حقيقة بالعيان، وليس خبرا من الأخبار، وإن كان يذكر في أعلى صور القصص المصور.
ثم نرى الإيذان بالابتعاد عن موطن الغرق، وقد فار التّنّور، وإننا قد ندرك من هذا أنها كانت تسير بالبخار، إذ فار التنور فتحركت بعد أن فار، واللّه تعالى أعلم بمراده، وإن كان اللفظ دالا، بل هو مصوّر لتنور فار فحرك ببخاره ما حرك من آلات تسير السفينة، وتجرى بهم في موج كالجبال.
والقارئ يرى في هذا صورا تثير الخيال، وتجعل الخبر مرئيا أو كالمرئى، وإن ذكر الموج في هذا المقام يصور كيف كان السيل عارما، وأنه لم يكن غيثا حتى لم يبق إلّا من خرج بالسفينة نجيّا.
* ثم نجد في ذلك القصص أمرا معنويا كأنه ملموس، وهو حنان الأب، ورفقه بولده. فقد رأينا في نوح المجاهد عاطفة الأبوة تعلو .. فينادى ابنه، وكأننا نسمع النداء في مشهد من مشاهد الأبوة. ثم نجد الإبن وقد غرّه غرور الصبا، والابتعاد عن التصديق، حتى حسب أنه بمنجاة من الغرق إذا اعتصم بجبل آوى إليه، وحال بينه وبين أبيه الموج، فكان من المغرقين، والأب تنفطر نفسه، فتغلبه شفقة الأبوة عن رؤية أمارات الموت ...