دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 166
قال ابن جرير: وإنما قلنا ذلك هو الصواب، لإجماع أهل التأويل (التفسير) عليه، وأن اللّه عز وجل أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان هذا حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرّم، وسائر آثام معاصيه التى ارتكبها بنفسه، دون ما ركبه قتيله.
نقول: إن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكفّ عنه يده طالبا إن وقع قتل أن يكون من أخيه- لا منه. وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرا له لو انزجر.
ولهذا قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أى تتحمل إثمى وإثمك فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة: 29]
* إن هابيل نفّره من القتل بثلاث: الخوف من اللّه، أن يبوء بإثمه وإثم نفسه، كونه من أصحاب النار ومن الظالمين.
قال ابن عباس: خوّفه بالنار فلم ينته، ولم ينزجر فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ [المائدة: 30] - أى فحسّنت وسوّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أى بعد هذه الموعظة، وهذا الزجر، فهدم ما بناه اللّه وأتقنه، فأصبح من الخاسرين، وأى خسارة أكبر من هذه الخسارة في الدنيا والآخرة.