دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 184
عاما، ولكن ما زادهم ذلك إلّا فرارا، وعتوّا واستكبارا، حتى ضاقوا به ذرعا، وضاق بهم ذرعا، وكبر عليهم مقامه، وبلغ السيل الزّبى، وهنا وصلوا معه إلى المرحلة الحاسمة، وهى مرحلة اشتداد الحال حتى استعجال العذاب، بعد أن نفذ صبرهم ..
لذلك قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود: 32]
قالوا: يا نوح قد خاصمتنا وحاججتنا فأكثرت جدالنا، ولم تدع لنا حجة إلّا أبطلتها ورددتها حتى سئمنا ومللنا، فائتنا بما تعدنا به من العذاب في الدنيا أو في الآخرة إن كنت من الصادقين في قولك: فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 3]
فردّ عليهم نوح بقوله: إن الذى أعدكم به، وأخاف عليكم منه بيد اللّه لا بيدى، وأمره إلى اللّه فقط، إن شاء أنزله فورا، وإن شاء أجّله، على أنكم لستم بمعجزين اللّه هربا، فأنتم في ملكوته، وتحت قبضته، ولا ينفعكم نصحى لكم، وإخلاصى معكم في شئ أبدا، إن أردت ذلك، إن كان اللّه يريد أن يغويكم، فلا ينفعكم نصحى أبدا، إذ قبول النصح، والانتفاع به يكون للمستعد للخير، القابل له، أما إذا فسدت النفس، وران على القلب الحجاب، فلن يرى النور، ولن ينتفع به ..
قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ، هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود: 33 - 34]