دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 197
ويكشف القرآن عن كل هذا التفاعل بين الإيمان، وبين العاطفة الأبوية، والصراع النفسى، الذى يوجد فيه أب يرى ابنه يهلك، وربما بسببه فيما تخيّل النفس الأمارة بالسوء، ويأتى هذا الكشف القرآنى عن طريق الحوار.
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ- وَكانَ فِي مَعْزِلٍ: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ. قالَ: سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ، قالَ: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ .. وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ .. فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
[هود: 42، 43]
لما رأى نوح نهاية القوم، أخذته عاطفة الأبوة، واستولت عليه ونادى ابنه، وكان في مكان منعزل عنه: يا بنى .. اركب معنا سفينة النجاة، وإياك يا بنى أن تكون من الكافرين المهلكين، وكان هذا الإبن عاصيا لوالده، غير مطيع لأمره، كافرا برسالته ووحيه، ولذا قال مجيبا أباه: سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء .. معتقدا بجهله، أن الطوفان لا يبلغ رؤوس الجبال، وأنه لو تعلّق في رأس جبل لنجّاه من الغرق.
نوح يبصّر ابنه طريق الخير، فيأبى إلّا طريق الشر، ويقول: سألجأ إلى جبل يحفظنى من طغيان الماء، كأنه فهم أنه ماء من بحر أو نهر له حدّ محدود، يقف أمام ربوة عالية، أو جبل شامخ، قال نوح ردّا على كلامه وحجته الواهية:
يا بنى لا شئ في الوجود يعصم أحدا من أمر اللّه إذا نزل، ويرد قضاءه إذا حكم، لكن من رحم اللّه من الخلق، فهو وحده يعصمه ويحفظه، وقد جعل السفينة منجاة للمؤمنين. وبينما هما في هذا النقاش والحوار .. حال بينهما الموج