دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 25
ومضمون كلام القاضى عبد الجبار، أن ثمة من الناس، من يرى أن القرآن للتلاوة، والتعبّد بتلاوته وقراءته في الصلاة، كما يفعل الأعاجم، الذين لا يعرفون العربية، وإنه يسوق الأدلة لبطلان هذا القول، فيقول:
"وبيّن شيوخنا أنه لو لم يكن له معنى لا يكون معجزا، لأن إعجازه هو بما يحصل من المزيّة والرتبة في قدر الفصاحة، ولا يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه وموقعه واستقامته، كما لا يكون فصيحا إلا بجزالة لفظه، ولو أن واحدا من المتكلمين ألّف من الكلام المهمل جملة، وتكلم بها في غير مواضعة لم يعد من الكلام الفصيح، كما لو كان في معناه ركاكة لم يكن منه، وكما لو ركّ لفظه لم يعد في ذلك، فكيف لمن أقرأنه معجز، أن يزعم أنه لا معنى له، وأنه لا فائدة منه"
فهذا الكلام يدل على أنه يوجد من يقول: إن القرآن لا يطلب معناه، وأن القصد منه التعبد بالتلاوة في الصلاة، وخارج الصلاة.
ويبدو أن الذى دفع هؤلاء إلى ذلك القول:- إن صحّ نقله- أنهم يتوقّفون خشية أن ينحرف بهم الفكر، فيصرفوا معانى القرآن إلى غيرها لانحراف في التفكير، أو تزيّد عليه، فرأوا أن يكتفوا بالتلاوة والتعبد بها، واقفين عند ذلك الحدّ، حتى لا يقولوا على اللّه بغير علم.
ومهما يكن من أمر، فإن ذلك الرأى مرفوض تماما ولا يؤخذ به.
إن الذى لا شك فيه، أن القرآن العظيم، مقصود بمعانيه، وبتلاوته، وترطيب الأسماع به، وبالتعبد به وبألفاظه، فكل ما اشتمل عليه مقصود لذاته، لا بالتبعيّة لغير، فهو مأدبة اللّه تعالى، فإذا كان ذلك كذلك- فما مكان التفسير في ذلك؟ لأن التفسير لا يكون إلا عند الحاجة للتبيين، والقرآن الكريم