دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 248
وهو اعتراف صريح من البطلة، التى أعيتها الحيل عن طريق التزين حينا، والتودد إليه بمعسول القول حينا آخر، والإرهاب والتخويف حينا ثالثة، فلم تفلح ..
وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 32]
ولننظر ماذا كان جواب العفيف يوسف عليه السلام:
قالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .. وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ. فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: 33، 34] وقصده- عليه السلام- بقوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَ تبرؤ من الحول والطول، وأن الحول والقوة إنما هما من اللّه، وسؤال منه لربه، واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهن، وهكذا شأن الأنبياء.
قال في البحر: نسب بعضهم ليوسف مالا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذى أختاره: أن يوسف- عليه السلام- لم يقع منع همّ البتّة، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان، كما تقول:"قارفت الذنب لو لا أن عصمك اللّه"وقول العرب:"أنت ظالم إن فعلت"وتقديره:"إن فعلت فأنت ظالم"وكذلك هنا التقدير: لو لا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، ولكنه وجد رؤية البرهان، فانتفى الهمّ. وأما أقوال السلف، فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شئ من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة، يناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة في بعض فساق الملل، فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة.
وقال أبو السعود: إن همّه بها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ميلا جبليا، لا أنه قصدها قصدا اختياريا، ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له، ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو