دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 261
المعنى .. ولقد أرسلنا إلى قبيلة مدين شعيبا، نبيّا فيهم، وهو من أشرفهم- فقال: يا قوم اعبدوا اللّه وحده، ولا تشركوا به شيئا، ما لكم من إله غيره، هو الذى خلقكم، وخلق كل شئ لكم، قد جاءتكم بينة من ربكم وآية دالة على صدقى، فأوفوا الكيل إذا كلتم، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تنقصوا الناس شيئا من حقوقهم في بيع أو شراء، أو حقّ مادى أو معنوى.
أمرهم شعيب بالوفاء في الكيل والوزن، ونهاهم عن نقص الناس شيئا من حقوقهم بعد الأمر بعبادة اللّه مباشرة، وذلك لأن هذه الخصلة كانت فاشية فيهم.
فقد كانوا من المطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس وأخذوا حقهم يستوفون، وإذا كالوهم وباعوا إليهم شيئا ينقصون ويبخسون، وهذا مرض نفسى، وداء إذا تفشى في أمة قضى عليها وأزال ملكها وعزّها.
وقال شعيب: يا قوم- لا تفسدوا في الأرض بأى نوع من أنواع الفساد، كالظلم والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، وارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد المجتمع لشيوع الانحلال الخلقى. ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وقد أصلحها اللّه بما فطر الناس على حب الخير، وبما أودع فيهم من الميل إلى الرشاد، وبما أرسل فيهم من الرسل والهداة والمرشدين، فعليكم ألا تفسدوا فيها بالبغى والعدوان على الأنفس والأموال والعقول والأعراض، ذلكم الذى أتيتكم من أجله، هو خير لكم في الدنيا والآخرة، وهو مجلبة للسعادة في الدارين، إن كنتم مؤمنين حقّا بى وبرسالتى.
وهكذا العلم وحده لا ينفع في قمع النفس وردّها عن البشر بل لا بد معه من إيمان قلبى، وتصديق روحى خالص، ومخالفة للنفس والهوى.
وقوله: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هذه دعوة الرسل كلهم، قد جاءتكم بيّنة من ربكم، أى قد أقام اللّه الحج والبينات على صدق