دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 276
ألم يعلموا أن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ وهم مع ذلك قد أعرضوا ونأوا، واستكبروا وبغوا، فكان جزاؤهم ما ذكره الحق سبحانه:
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وحل بهم العذاب فجأة، وهم في غيّهم سادرون، وفى عمايتهم لاهون، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96]
يخبر المولى- جل جلاله- عن قلة إيمان أهل القرى، الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ
[يونس: 98] أى آمنت قرية بتمامها إلّا قوم يونس فإنهم آمنوا وذلك بعد ما عاينوا العذاب. كما قال سبحانه: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [الصافات: 147، 148]
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا أى آمنت قلوبهم بما جاء به الرسل، وصدقت به واتبعوه، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أى قطر السماء ونبات الأرض.
قال تعالى: وَلكِنْ كَذَّبُوا- فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أى ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم والمحارم.
هذا نظام اللّه في الكون، وتلك سنته مع الخلق قديما وحديثا، فاعتبروا واتعظوا أيها الناس، خاصة أنتم يا زعماء الشرك .. ولو أن أهل القرى، التى كذبت رسلها، ولم تؤمن بربها، لو أنهم بدل الكفر آمنوا، ومكان العصيان اتقوا، لفتح اللّه عليهم أنواع الخير من السماء والأرض، كالعلوم والهداية، والوحى