دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 4
وذكرت قصة إبراهيم عدة مرات، وذكرت قصة موسى- عدة مرات، وذكرت قصة عيسى عدة مرات، وإنه يبدو بادى الرأى أن ذلك من مكرور القول. فما وجه البلاغة في هذا التكرار لقصص الأنبياء؟
إننا إذا نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن، ومكانته في البيان العربى، نجد أن التكرار فيه له مغزى، ذلك أن القرآن ليس كتاب قصص، وليس كالروايات القصصية، التى تذكر الحوادث المتخيّلة أو الواقعة. إنما قصص القرآن- وهو قصص لأمور واقعة- يساق للعبر، وإعطاء المثلاث، وبيان مكان الضالين. ومنزلة المهتدين، وعاقبة الضلال، وعاقبة الهداية، وبيان ما يقاوم به النبيون، ووراءهم كل الدعاة للحق. فهو قصص للعبرة بين الواقعات، لا لمجرد المتعة من الاستماع والقراءة. ولذلك قال اللّه تعالى في آخر قصة نبى اللّه يوسف:
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[الآية: 111]
كما أن القصص القرآنى لون من تصريف البيان القرآنى، وتغير أشكاله، وفى ذلك يقول الحق سبحانه: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
[الكهف: 54]
إن القصص القرآنى فيه العبرة، وما ذكرت قصة إلّا كان معها عبرة أو عبر، وفيها المثلاث لمن عصوا وتركوا أمر ربهم، وفيها بيان ما نزل بالأقوياء، الذين غرهم الغرور، والجبابرة الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، واللّه من ورائهم محيط.
وإن القصص فيه إيناس صاحب الرسالة المحمدية، بأخبار إخوانه من المصطفين الأخيار، وإثبات قوله، فقد كانت تلك الأخبار الصادقة. ما كانت