وقال الشوكاني: يستحب للخطيب أن يضخم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه ، ويظهر غاية الغضب والفزع ؛ لأن تلك الأوصاف إنما تكون عند اشتدادهما ((734) انظر: نيل الأوطار ( 3/ 307 ) . 734). اهـ
فتبين لك أيها القارئ مما سبق ذكره ، أن رفع الصوت والحماس في الخطبة كان من هديه صلى الله عليه وسلم ، وهو من الأمور التي لها وقع في قلوب المستمعين، مع ملاحظة أن رفع الصوت وعلوه هنا لا يراد به الصراخ الفزع الذي يذهب بجمال الخطبة ووقْعها في نفس المستمع ، كما أنه لا يراد به أن يكون احمرار العينين وشدة الغضب في كل شيء . بل ما أحسن ما ذكر القاضي عياض عن حديث جابر هذا ، فقد قال بما نصه: هذا حكم المحذر والمنذر ، وأن تكون حركات الواعظ والمذكر وحالاته في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ، ومطابق له ؛ حتى لا يأتي بالشيء وضده . وأما اشتداد غضبه فيحتمل أنه عند نهيه عن أمر خولف فيه شرعه ، أو يريد أن صفته صفه الغضبان عند إنذاره ((735) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم ( 3 / 368 ) . 735). اهـ
قلت: قد يقول قائل: إن كلام أهل العلم عن استحباب رفع الصوت للخطيب حال الخطبة إنما هو لأجل إسماع المأمومين ، وأما في هذا الوقت الذي وجدت فيه مكبرات الصوت فإنه لا يطلب فيه رفع الصوت على ما كان في السابق ، لأن مكبرات الصوت تأتي بالمقصود ، وتفهم دون المبالغة في رفع الصوت .
ويجاب عن هذا القول بأنه لابد من مراعاة أمرين هنا:
الأمر الأول: أن الفقهاء استحبوا رفع الصوت مطلقًا دون المبالغة في علوه ، وهذا سببه ظاهر ، وهو من أجل إسماع الحضور، ولعدم وجود مكبرات في الصوت في ذلك الحين .
الأمر الثاني: أن هناك رفعًا للصوت مستحبًا حال الخطبة بحيث يبالغ في رفعه، وذلك أمر زائد على مجرد الإسماع ، بل هو مقترن بالغضب والفزع والإنذار ، وهذا لا يكون في جميع الخطبة . والعلم عند الله تعالى .