هذه المسألة مهمة جدًا ، قلما يتفطن لها عدد من الخطباء ، وذلك من خلال عرض بعض المقدمات الفاسدة والقضايا الكاذبة أثناء الخطبة ، وقد يكون ذلك من باب قصد الكذب - وهو قليل - وقد يكون من باب جهل القائل ، أو التلبيس عليه ، أو الاجتهاد الخاطئ الذي يسوغ له قوله هذا .
وقد أشار بعض أهل العلم إلى شيء من ذلك ، كما في رواية ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن حماد قال: قلت لإبراهيم: إن الكتب تجيء من قبل قتيبة فيها الباطل والكذب ، فإذا أردت أكلم صاحبي أو أنصت ؟ قال: لا ، بل أنصت - يعني في الجمعة - ((676) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ( 2/ 32 ) . 676) . اهـ.
قلت: معنى هذا أن الخطيب في زمن قتيبة بن مسلم يقرأ صحفًا فيها شيء من الكذب والباطل .
قال النووي:"ويكره المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم ، وكذبهم من كثير من ذلك ... الخ ((677) انظر: المجموع ( 4/ 350 ) . 677)". اهـ .
قلت: ففي هذا إثبات احتمال وقوع الكذب ، بل وقوعه من قبل بعض الخطباء من خلال قول النووي هذا .
ويؤيده قول الحافظ ابن حجر:"واختلف السلف إذا خطب - أي الخطيب - بما لا ينبغي من القول" ((678) انظر: فتح الباري ( 3/ 81 ) . 678) . اهـ .
فدلَّ على أن من الخطباء من قد يقول ما هو باطل أو كذب في خطبهم .
وقد وجَّه الحافظ ابن حجر فعل مروان بن الحكم حين قدَّم خطبة العيد على الصلاة ، بأن قصده مراعاة مصلحته في إسماعهم الخطبة ؛ لأنهم كانوا في زمنه يتعمدون ترك سماع خطبته ؛ لما فيها من سبِّ من لا يستحق السبّ ، والإفراط في مدح بعض الناس ((679) انظر: فتح الباري ( 3/ 128 ) . 679). اهـ .
قال الكاساني:"وإنما أحدث بنو أمية الخطبة - أي العيدين - قبل الصلاة ؛ لأنهم كانوا يتكلمون في خطبتهم بما لا يحل ، وكان الناس لا يجلسون بعد الصلاة لسماعها ، فأحدثوها قبل الصلاة ليسمعها الناس" ((680) انظر: البدائع ( 2 / 241 ) . 680) . اهـ .