اتفق أهل العلم على أن المسافر لا يجب عليه الجمعة ، كما اتفقوا على أن الأفضل للمسافر أن يحضر الجمعة ، ثم اختلفوا هل تنعقد الجمعة لو كان الخطيب والإمام مسافرًا أو لا ؟ على قولين:
القول الأول:
قال أصحابه: إن الجمعة لا تنعقد إذا كان الخطيب مسافرًا . وبذلك قال الحنابلة . وعللوا ذلك بأنه من غير أهل فرض الجمعة ، فلم تنعقد الجمعة به ، ولم يجز أن يؤم فيها ، كالنساء والصبيان ، ولأنه لم ينوِ الإقامة في هذا البلد على الدوام ، فأشبه أهل القرية الذين يسكنونها صيفًا ويظعنون عنها شتاءً ((285) انظر: المغني ( 3 / 218 ، 220 ) . 285) .
ودليل عدم وجوب الجمعة على المسافر ما رواه الدار قطني عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ، إلا مريضًا ، أو مسافرًا ، أو امرأة أو صبيًا أو مملوكًا ) ) ((286) انظر: سنن الدار قطني ( 2 / 3 ) . 286) . وقد روى البيهقي مثله مختصرًا ((287) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ( 3 / 183 ) . 287) .
القول الثاني:
قالوا: إن الجمعة تنعقد بالخطيب إذا كان مسافرًا . وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ((288) انظر: بدائع الصنائع ( 2 / 212 ) ، جامع الأمهات ص ( 122 ) ، الأم ( 1 / 331 ) . 288) . وعللوا ذلك بأنهم رجال تصح منهم الجمعة ، ومن صحت منه الجمعة صحت به ، وكما أن صلاة غير الجمعة تصح خلفه ، فكذلك الجمعة . فإن قيل: ليس فرض الجمعة عليه ، قيل: ليس يأثم بتركها ، وهو يؤجر على أدائها ، وتجزئ عنه كما تجزئ عن المقيم .
قلت: أظهر القولين هو صحة القول بجواز خطابة المسافر وإمامته في الجمعة ، لأن الأصل صحة صلاته ، ومن صحت صلاته لنفسه صحت لغيره ، ولعدم وجود دليل يدل على أن الجمعة لا تنعقد به ، وغاية ما استدل به من منع من ذلك مجرد تعليلات لا تنهض على مقاومة الأصل القوي وهو صحة صلاته .