ينبغي للخطيب أن يستحضر في نفسه قبل إعداد الخطبة وإلقائها أن السامعين يختلفون ، ففيهم العالم ، وفيهم الجاهل ، وفيهم العامي ، وفيهم الأمير والوزير ، فيكون الخطيب فيهم كالمتفرس ، إذا عليه أن يعلم مبلغ طاقاتهم وقدر استيعابهم وإقبالهم على الانتفاع ، فيعطيهم ما يتحملون ، ويمسك عما لا يطيقون ، ويوجز عند خشية السامة . وقديمًا قيل:"ومن لم ينشط لكلامه فارفع عنه مؤنة الاستماع منك"والناس لا يعدم أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيارة ، وقاصد يكتفي بالقليل ، فيضجر الذكي ويعجز القاصر ، ومنْ هذه حال الناس معه ملّوه . وملّهم ويُذكر أن الخضر قال لموسى عليهما السلام: (( يا طالب العلم ، إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ) ).
وروي عن ابن السماك أنه جلس يومًا للوعظ وجاريته تسمع كلامه ، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي ؟ قالت: ما أحسنهُ إلا أنك تكثر ترداده . فقال: أردده كي يفهمه منْ لم يفهمه . فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه ، قد ملَّهُ منْ فهمه ((175) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( 2 / 6 ) . 175) .
وقد قال الإمام أحمد عن الموعظة وإطالتها: لا أحب أن يملَّ الناس ، ولا يطيل الموعظة إذا وعظ ((176) انظر: الآداب الشرعية (2 / 86 ) . 176) . اهـ .
ألا فإن مراعاة الخطيب لأفهام الناس وعقولهم لهو من أهم ما ينبغي أن يدركه كل خطيب ، وكلام أهل العلم حول هذه المسألة مطروق ومبذول ، وسأورد شيئًا من كلام بعضهم لإدراك هذا الأمر والاتعاظ به .
فلقد بوَّب البخاري في صحيحه بابًا فقال: باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا . ثم أردف قول علي: حدِّثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ ((177) انظر: فتح الباري ( 1 / 304 ) . 177) . اهـ .